كتاب الرأي

حين يصبح الاهتمام بالنفس وعياً

       ✍️ عبدالخالق الزهراني – كاتب رأي :

في العاشر من أكتوبر من كل عام، يتجدد الحديث عن الصحة النفسية.
وربما أجمل ما في هذا اليوم أنه لا يذكرنا بمرض بقدر ما يذكرنا بالإنسان.
ذلك الإنسان الذي قد يبدو بخير، يذهب إلى عمله، ويضحك مع الآخرين، ويمارس تفاصيل يومه بصورة طبيعية، بينما يحتاج في أعماقه إلى شيء من الهدوء، أو الاحتواء، أو مساحة صغيرة يعيد فيها ترتيب نفسه.
لسنوات طويلة، ارتبطت الصحة النفسية في أذهان البعض بالمرض والاضطراب، وكأن الإنسان لا يحق له الاهتمام بنفسه إلا حين يصل إلى مرحلة لا يستطيع معها الاستمرار.
لكن الوعي اليوم تجاوز كثيراً من تلك المفاهيم، ولم يعد من المنطقي أن نخجل من علاج النفس، بينما لا نخجل من علاج الجسد.
فنحن نسارع إلى الطبيب عند الشعور بألم لم نعتده، لكننا أحياناً نتجاهل ما يحدث في داخلنا، وكأن ما لا يظهر في التحاليل لا يستحق الالتفات.
والصحة النفسية ليست أن تكون سعيداً طوال الوقت، ولا أن تعيش بلا حزن أو قلق أو ضغوط، بل أن تفهم نفسك، وتعرف متى ترتاح، ومتى يصبح طلب المساعدة ضرورة لا ينبغي تأجيلها.
ومن النضج أيضاً أن نتوقف عن التعامل مع زيارة العيادة النفسية وكأنها أمر ينبغي إخفاؤه.
نقول بكل أريحية إننا زرنا طبيب القلب أو العظام، فلماذا نتردد حين يتعلق الأمر بمختص نفسي؟
في الحالتين، الإنسان لم يفعل سوى شيء واحد
انتبه إلى صحته.
فزيارة المختص النفسي ليست عيباً، ولا تعني أنك فقدت القدرة على إدارة حياتك، بل ربما تكون القوة الحقيقية في أن تعترف بحاجتك إلى من يساعدك، بدلاً من الاستمرار في معاناة كان بالإمكان التخفيف منها.
والأمر لا يتعلق بأنفسنا فقط.
فجزء من الوعي النفسي أن نحسن التعامل مع الآخرين أيضًاً، فليس كل صامت مرتاحاً، ولا كل مبتسم سعيداً، ولا كل من يمارس حياته بصورة طبيعية يعيش بالضرورة حالة من الاطمئنان.
ولهذا، علينا ألا نسخر من تعب الآخرين، أو نقلل من مشاعرهم، أو نطالبهم بالقوة طوال الوقت، فنحن لا نعرف دائماً ما الذي يحدث خلف الوجوه التي نراها كل يوم، ولا حجم المعارك التي يخوضها أصحابها بصمت.
وفي اليوم العالمي للصحة النفسية، ربما لا نحتاج إلى كثير من الشعارات بقدر حاجتنا إلى أن يتحول هذا الوعي إلى ثقافة حياة.
أن نهتم بأنفسنا دون خجل.
وأن نطلب المساعدة دون خوف.
وأن نكون أكثر رحمة بمن حولنا.
فالنضج ليس أن تكون بخير طوال الوقت، ولا أن تتحمل كل شيء وحدك، بل أن تعرف متى تحتاج إلى من يساعدك، وأن تدرك أن الاعتناء بنفسك ليس ضعفاً، وإنما احترام للإنسان الذي أنت عليه.
فبعض القوة أن تتحمل، وبعض الوعي أن تعرف متى لا ينبغي لك أن تتحمل وحدك.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى