محمد .. حين يأتي الندم متأخراً

✍️نجاح الوسمي – كاتبه سعوديه:
لم يكن محمد يعلم أننا سنكتب عنه يومًا وهو غائب وللأبد، ولم نكن نحن نعلم أن السنوات الثلاث الأخيرة من حياته كانت تحمل لنا إشارات لم نفهمها إلا بعد رحيله.
في تلك السنوات، تغيّر محمد كثيرًا، أصبح أكثر حرصًا على القرب من الناس، يسأل عن هذا ويتواصل مع ذاك، ويقول لمن يحب: ” اشتقت لك.. وحشتني ” وكأنه يريد أن يأخذ من كل شخص يحبه نصيبًا من الوقت والذكريات قبل أن يرحل .
كان محمد محبوبًا، طيبًا ، لا يؤذي أحدًا حريصاً على الصلاه ، ولذلك كان حضوره خفيفًا على القلوب، وقربه عزيزًا على من عرفه .
لكننا، مثل كثير من الناس، كنا نؤجل.
بعدين أشوفك ..
إن شاء الله نجتمع قريباً ..
لاحقين.. الوقت طويل والأيام جاية ..
وتمضي الأيام، ثم الشهور والسنوات، دون أن نشعر .
ذات مرة، علم محمد أنني في الكورنيش، فأتى مسرعًا على السكوتر، كأن المسافة بيننا كانت أقصر من أن تحتمل الانتظار ، لم يأتِ ليطلب شيئًا، ولم يكن لديه ما يقوله سوى سلام عابر، لكنه قطع الطريق إليّ فقط لأنه اشتاق، ولأنه أراد أن يراني ولو لدقائق قليلة.
كان ذلك اللقاء البسيط يحمل في داخله محبة كبيرة؛ محبة لا تحتاج إلى موعد، ولا إلى مناسبة، فقط رسالة تقول: خالتي.. أنا أحبك، ووحشتيني ، وكنت أجيبه : ” وأنا بعد ” .
لكنني اليوم أسأل نفسي: هل كانت كلمة ” وأنا بعد ” كافيه ؟!
كيف نعيش في مدينة واحدة، ويشتاق أحدنا للآخر، ثم نترك الأيام تمضي دون لقاء ؟!
محمد كان يشتاق إلى جدته، كثير السؤال عنها، ويتصل بها ويحادثها عبر الفيديو ، كان يريد أن يطمئن عليها وأن يراها، وكأنه كان يعرف، بطريقة لا نعرفها نحن، أن الوقت الذي يجمعنا بمن نحب ليس مضمونًا، وأن علينا أن نغتنم منه ما استطعنا .
كان يحرص على أن يملأ وقته بمن يحب، ونحن كنا نؤجل ونؤجل ، حتى جاء الأجل.
عندها فقط أدركنا أن بعض المواعيد لا تحتمل التأجيل، وأن كلمة ” بعدين ” ربما يتبعها ندم .
محمد.. ابن أختي وقطعة من قلبي، اشتقت لك وبقوة ، لكن ماذا يفيد الاشتياق الآن؟ ، لا ينفع الحزن، ولا ينفع البكاء، وأنت ممدد أمامي بلا حراك ، أحدثك وأنظر إلى عينيك المفتوحتين قليلًا، وكأنني أنتظر منك أن تنظر إلي وتبتسم كعادتك .
وانا اردد ” محمد، سامحني..كنت تنتظر ان تراني وها أنا جئت إليك لكن لا أعلم ان كنت تراني او تسمعني وأنا اردد كلمة : محمد أحبك ، سامحني لم أكن أعلم أنك سترحل بهذه السرعة ” .
لم أكن أعلم أن كلمة ” خالتي وحشتيني ” كانت ربما دعوة أخيرة للقاء أخير ، وأنني سآتي يومًا لأراك، لكنني لن أعرف هل تراني أم لا.. هل تسمعني أم لا.
محمد .. كنت تنتظر أن نجتمع بعد سنوات طويلة من الانقطاع.. واجتمعنا ، لكن يا لوجع هذا الاجتماع ، فقد اجتمعنا عند عزائك.
اجتمع الأهل من كل مكان، بعد سنوات من تباعدنا وانشغالنا وتأجيل لقاءاتنا ، اجتمعنا ثلاثة أيام، وتبادلنا الذكريات والدموع والدعاء و الجميع حضر..
إلا محمد ..
فقد كان في ثلاجة الموتى ينتظر الدفن لبداية حياة جديده خارج عالمنا .
رحل هو، واجتمعنا نحن .
وهنا أدركنا الحقيقة التي نتعلمها دائمًا متأخرين: نحن لا نعرف متى يكون اللقاء الأخير، ولا نعرف متى يصبح الاشتياق رسالة لا تصل، ولا متى يأتي الأجل فنرحل بلا أمتعة، ولا نأخذ معنا إلا ما تركناه في قلوب الآخرين.
لذلك، إذا قال لك شخص تحبه: ” اشتقت لك.. وحشتني ” فلا تكتفِ بأن تقول: ” وأنا بعد ” ، اذهب إليه ، اجلس معه .
اتصل بمن اشتقت إليه، ولا تنتظر مناسبة ، اجتمع بمن تحب قبل أن يصبح الاجتماع عزاء ، فبعض الأحباب لا يحتاجون منا شيئًا سوى وقتنا، ووجودنا، ولقاءً بسيطًا قد لا نعرف قيمته إلا حين يصبح مستحيلًا .
لاتؤجلون اللقاء .. فالأيام التي نظن أنها طويله ، قد تكون أقل مما نعتقد ، والأشخاص الذين نظن أننا سنراهم غدًا، قد لا يكون لهم غد معنا.
والذين نقول لهم: ” بعدين ” قد يأتي يوم نتمنى فيه لو أن الزمن يعيد لنا دقيقة واحدة فقط.. دقيقة نذهب فيها إليهم، نجلس بجانبهم، ونقول لهم ما لم نقله.
أما أنا..
فسأبقى كلما تذكرت محمد أتذكر ذلك السكوتر، وذلك اللقاء القصير، وكلمته التي كان يكررها:
” خالتي.. وحشتيني.. اشتقت لك ” وأعرف الآن أن بعض الرسائل لا نفهم معناها إلا بعد فوات الأوان .
واليوم، لو كان الشوق يعيد الراحلين، لكنت أول من أتى إليك ، لكن هذه المرة لن تأتي على السكوتر لتراني ..
وسأبقى أنا أنتظر لقاءً لن يأتي، وأحمل لك اعتذارًا لن تسمعه، ومحبةً كنت أتمنى لو قلتها لك أكثر.. قبل أن يصبح الوقت متأخرًا.
رحمك الله يا محمد، وغفر لك، وجعل قبرك نورًا وطمأنينة، وجمعنا بك في دارٍ لا فراق فيها .
للتواصل : [email protected]



