كتاب الرأي

نحن متصلون طوال الوقت… فمن يُصغي إلينا؟

   ✍🏻 نادية الجودي – كاتبة سعودية :

تضيء الشاشات وجوهنا في كل مكان، وتتوالى الرسائل والإشعارات على مدار اليوم، حتى غدا الوصول إلى الآخرين أيسر من أي وقت مضى. ومع هذا الحضور الرقمي الكثيف، تظل في حياة كثيرين حاجة إنسانية عميقة إلى أذنٍ تصغي، ونظرةٍ تفهم، ووقتٍ يُمنح بمحبة. هنا يبرز سؤال يستحق التأمل: كيف تقرّبنا وسائل التواصل من بعضنا، فيما تظل حاجتنا إلى الإصغاء الحقيقي متجددة؟

التواصل قيمة تتجاوز تبادل الكلمات؛ إنه حضور يمنح الإنسان شعورًا بأنه مرئي ومسموع ومقدّر. قد تصل الرسالة في لحظة، بينما يحتاج القلب إلى اهتمام يتأنّى، وسؤال يتبعه إنصات، وحوار يجد فيه صاحبه مساحة آمنة للتعبير. فالعلاقة الإنسانية تنمو بالتفاصيل الصغيرة: هاتف يوضع جانبًا وقت الحديث، ووجه يلتفت إلى المتحدث، وذاكرة تحفظ ما قاله في لقاء سابق.

في البيوت، يجتمع أفراد الأسرة حول مائدة واحدة، وقد ينشغل كل فرد بعالمه الخاص. تتوالى المقاطع والصور، وتظل الحكايات اليومية مؤجلة: تفاصيل المدرسة والعمل، ومخاوف الأبناء، وأفكار الكبار. ومع مرور الوقت، تتراجع مساحة الحوار، وتتزايد حاجة كل فرد إلى من يشاركه يومه باهتمام. دقائق من حديث صادق قد تمنح البيت دفئًا يفوق ساعات من الاجتماع الصامت.

تتجلى آثار الإصغاء في علاقات الصداقة، وبيئات العمل والحياة المجتمعية. فالإنسان الذي يجد من ينصت إليه بإنصاف يصبح أقدر على التعبير عن احتياجه وأقرب إلى بناء الثقة. وفي بيئات العمل، يفتح الإصغاء بابًا لفهم التحديات وتبادل الخبرات. وفي المدرسة، يمنح الإصغاء الطالب مساحة للبوح والتعلّم، ويعين المعلم على فهم ما وراء السؤال والسلوك. أما في المجتمع، فيسهم في تقريب المسافات بين أفراده وترسيخ الاحترام والتفاهم.

تزداد أهمية هذه المسألة حين تقاس قيمة الإنسان أحيانًا بسرعة الرد وعدد المتابعين، وحجم التفاعل. فالمؤشرات الرقمية ترصد الحركة، فيما تتجلى المودة في الحضور والاهتمام. قد تتسع دائرة العلاقات،ويظل المرء مشتاقًا إلى صديق يشاركه لحظة صادقة. وقد تعرض صورة جانبًا جميلًا من الحياة، فيما تظل وراءها تفاصيل إنسانية تستحق الرحمة والفهم.

يبدأ استعادة الإصغاء بخطوات بسيطة قابلة للتطبيق في حياتنا اليومية: أن نخصص وقتًا للحوار الأسري، وأن نمنح المتحدث انتباهنا كاملًا، وأن نسأل عن شعوره قبل تقديم النصيحة، وأن نختلف باحترام يحفظ كرامة الجميع. كما يسهم اختيار أوقات تخلو من المقاطعات الرقمية في ترسيخ الحوار، ويمنح الأسرة فرصة لتربية أبنائها على التعبير عن مشاعرهم واستقبال مشاعر الآخرين بتعاطف وتقدير.

تتسع مسؤولية الإصغاء لتشمل المؤسسات التربوية والإعلامية والثقافية. فالمدرسة التي تهيئ مساحة آمنة للحوار تسهم في بناء طالب واثق، والإعلام الذي ينقل قصص الناس بكرامة يفتح نافذة للتعاطف، والمبادرات المجتمعية التي تجمع الأجيال تعيد للحوار حضوره في الحياة العامة. حين يصبح الإصغاء ممارسة يومية، تتحول العلاقات من تواصل عابر إلى روابط تنمو بالثقة والاهتمام.

نحن بحاجة إلى أن نكون حاضرين في حياة من نحب، وأن نمنح أحاديثهم وقتًا يليق بمكانتهم. فالكلمة الصادقة قد تخفف عن قلب مثقل، والإنصات الهادئ قد يعيد إلى إنسان شعوره بالطمأنينة، والسؤال المهتم قد يفتح بابًا لحوار طال انتظاره. لعل أجمل ما نهديه للآخرين في زمن السرعة أن نصغي إليهم كما نحب أن يُصغى إلينا.

تزدحم حولنا الأصوات، وتبقى قيمة الإنسان في قدرته على أن يسمع بقلبه، ويحضر بوجدانه، ويمنح الآخرين شعورًا بالأمان. وبين رسالة عابرة وحوار صادق، يظل الإصغاء جسرًا يصل القلوب؛ فكم من قلب حولنا ينتظر لحظة إنصات صادقة تؤكد له أنه موضع اهتمام ومحبة؟

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى