كتاب الرأي

الوطن علّمني أن العطاء هوية

       ✍️هناء الهجاري – كاتبة سعودية :

حينما أقف بين أفكاري وما يدور حولي أستشعر نعمة عظيمة منّ الله بها عليّ أنني سعودية وأنني أنتمي إلى وطن يمنح الغريب قبل القريب ويقف مع الجار ويساند المحتاج ويقدم ما يستطيع من أجل أن تستقر الحياة في البلدان التي تحتاج إلى العون. وكلما تأملت هذه النعمة عاد بي الزمن إلى سنوات طفولتي وتحديدًا إلى المرحلة الابتدائية حين كانت تقام حملات للتبرع لإخواننا الفلسطينيين. كنت وقتها طفلة أرى المشهد بعين مختلفة عن اليوم وربما شاركت دون أن أدرك المعنى الحقيقي لهذا العمل الإنساني العظيم. لم أكن أعرف ماذا يعني أن يعطي الإنسان مما يملك لإنسان آخر لا يعرفه ولم أكن أعي أن تلك المواقف الصغيرة التي نراها في طفولتنا قد تترك في داخلنا معاني تكبر معنا مع مرور السنوات.

كبرت وكبرت معي تلك الذكرى ومع مرور الوقت أدركت أن ما كنت أراه في طفولتي لم يكن مجرد حملة تبرعات عابرة بل كان درسًا إنسانيًا مبكرًا علمني أن الخير لا يحتاج إلى قرابة حتى يصل وأن اليد التي تمتد بالعطاء تستطيع أن تخفف شيئًا من ألم إنسان آخر حتى وإن كان بعيدًا عنا. واليوم وأنا أتابع ما يمر به اليمن الشقيق من ظروف إنسانية صعبة أتذكر تلك الطفلة من جديد وأفهم أكثر معنى أن يكون الإنسان حاضرًا إلى جانب أخيه في أوقات الشدة. فاليمن جار وشقيق وما يمر به الإنسان هناك من خوف واحتياج يجعلنا نتذكر أن الأمن والاستقرار ليستا كلمتين عابرتين بل نعمتان لا يعرف قيمتهما حقًا إلا من فقدهما.

وهنا أفهم أكثر معنى أن أكون سعودية وأن أنتمي إلى وطن لا يجعل العطاء مرتبطًا بحدود أو جنسية ولا يرى المحتاج مجرد رقم بل يرى إنسانًا يستحق أن تمتد إليه يد الخير. وطن عرف أن قوته لا تكمن فقط فيما يملك من إمكانات وإنما فيما يستطيع أن يقدمه للإنسان حين يحتاج إليه. وأنا حين أقول إنني أحب وطني لا أقولها لأنها كلمة تكتب في مناسبة وطنية أو عبارة نرددها ثم نمضي بل أقولها لأنني كلما رأيت موقفًا إنسانيًا من وطني شعرت أن انتمائي إليه نعمة تستحق الحمد.

أحب وطني وأعتز بقيادته التي جعلت الإنسان محورًا أساسيًا في مسيرة التنمية وأعتز بما تقدمه المملكة من جهود إنسانية وإغاثية تجاه الشعوب التي تمر بالأزمات وأرى في ذلك امتدادًا لقيمة عظيمة تعلمناها وهي أن الخير حين يكون قادرًا على الوصول فلا ينبغي أن يتأخر. لقد علمني وطني أن حب الوطن ليس في الكلمات وحدها وإنما في الأخلاق وفي المحافظة على نعمة الأمن وفي احترام الإنسان وفي أن نكون جزءًا من الخير الذي يصنعه وطننا.

وحين أنظر إلى ما أعيشه اليوم من أمن واستقرار أقول في داخلي كم من النعم اعتدنا وجودها حتى نسينا أن نحمد الله عليها. الأمن نعمة والاستقرار نعمة وأن يستطيع الإنسان أن يعيش بين أهله ويخطط لمستقبله ويحلم بغده وهو مطمئن نعمة عظيمة. لذلك حين أنظر إلى وطني لا أريد أن أراه بعين الاعتياد بل بعين الامتنان. أنا سعودية وهذه بالنسبة لي ليست مجرد هوية تحملها الأوراق بل شعور يسكن القلب ومسؤولية تجعلني أقدر ما أعيشه وأحافظ عليه وأؤمن أن الإنسان يستطيع أن يخدم وطنه بأخلاقه وكلمته وعمله وأن يكون انعكاسًا جميلًا للقيم التي نشأ عليها.

وكلما تذكرت تلك الطفلة التي وقفت يومًا أمام حملة تبرعات لإخوانها الفلسطينيين أبتسم وأدرك أنني كنت أتعلم منذ ذلك الوقت درسًا لم أفهمه كاملًا إلا بعد سنوات. كنت أتعلم أن الخير لا يُسأل عن جنسيته وأن الإنسان حين يستطيع أن يخفف عن إنسان آخر شيئًا من ألمه فذلك شرف قبل أن يكون عطاء. وهكذا أرى وطني وطنًا أحببته لأنني ولدت فيه وأزداد حبًا له كلما عرفت أكثر ماذا يعني أن تكون سعوديًا.

حفظ الله وطننا وأدام عليه أمنه واستقراره وعزه وحفظ ولاة أمرنا وأدام على المملكة قدرتها على صناعة الخير وجعل ما تقدمه للإنسانية شاهدًا على وطن عرف أن العطاء ليس فضلًا يمنحه الإنسان للآخرين بل قيمة وهوية ورسالة

‏للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى