كتاب الرأي

أنبياء الضوء.. حين تكون المهنة «رسالة» والشاشة «محراباً»

         ✍️حسن المقصودي – كاتب رأي :

حين يمرّ «يوم المعلم» العالمي، تزدحم الساحات بعبارات الثناء الجاهزة، وتُهال المدائح المعلبة على مهنة التعليم كما تُعرف في قواميس الوظائف. لكننا اليوم، وبتأملٍ حصيف ورزين، لا نأتي لنحتفل بموظفٍ يلتزم بالحضور والانصراف، بل نقف إجلالاً وتدقيقاً أمام ذلك المعلم الاستثنائي الذي يتوقف الجميع عند إبداعه القيمي والإنساني والأخلاقي قبل المهني؛ ذلك الذي يدرك أن المنصات الرقمية والشاشات التفاعلية ليست مجرد أدوات تقنية صماء، بل هي نوافذ يطل منها على مستقبل الأمة.

إن أولى حقائق هذا المقام التي يجب أن تُسطّر بمدادٍ من وعي، هي أن المعلم ليس شرطاً أن يكون كل من انتسب للمؤسسة التعليمية وحمل لقبها؛ فالإجازة الجامعية أو التعيين الإداري يصنعان «موظفاً في التعليم»، لكنهما عاجزان بمفردهما عن التأسيس لروح «المعلم». المعلم الحقيقي — معلماً كان أم معلمة — هو من حمل الرسالة التعليمية بروحها لا برسمها، ومن آمن أن الفضاء التعليمي الحديث، مهما تطور وتبدّل من الصف التقليدي إلى بيئات التعلم الذكية، ليس مكاناً لتلقين المعارف وضخ البيانات، بقدر ما هو محرابٌ لتشكيل الضمائر، وبث الروح الإنسانية في جسد التقنية، وبناء الإنسان.

وإذا أردنا أن نفتش عن الجذور الباذخة لهذه الحقيقة، فلننظر كيف اصطفى المولى —عز وجل— محمدًا ﷺ ليكون رسولاً وهادياً ومُعلماً للبشرية. لم يكن هذا الاصطفاء الإلهي اعتباطاً، ولم يكن الفخر النبوي بمجرد نقل النص، بل فاخر به الله —جل جلاله— خلقه بـ «العظمة الأخلاقية» قبل أي شيء آخر، حين قال في محكم كتابه: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ}. لقد قدّم الله الأخلاق كعنوانٍ للرسالة، وجعلها النبي ﷺ الغاية المبتغاة من بعثته حين قال: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق». ومن هنا يتضح للمتأمل الحصيف أن للمِهنة أخلاقاً وقِيماً قبل أن تكون مجرد وظيفة، وأن القيمة الإنسانية هي المبتدأ والمنتهى، سواء كُتبت بالطباشير قديماً أو شُفرت بالذكاء الاصطناعي حديثاً.

إن المعلم الحقيقي هو الذي يترك خلفه إرثاً لا يمحوه الزمن؛ تتبدل المناهج، وتتطور التكنولوجيا من عهد السبورة الخشبية إلى عهد العوالم الافتراضية، وتشيخ الوسائل، ويبقى وجه ذلك المعلم أو تلك المعلمة حياً في ذاكرة الطلاب. ليس لأنه استعرض مهاراته التقنية باحترافية، بل لأنه عبر تلك الشاشات رمّم انكساراً نفسياً، وزرع ثقة، وغرس قيمة صمدت أمام أعاصير الحياة الرقمية المادية.
إن الإبداع الأخلاقي والإنساني للمعلم الحديث يتجلى في تلك اللحظات الفاصلة؛ في تحويل الفضاء السيبراني الجاف إلى واحة من القيم، وفي التوزيع النبيل للاهتمام والدعم بين مستويات الطلاب عبر قنوات التعلم الهجين، وفي تقديم القدوة الحية في الصدق الرقمي والنزاهة الفكرية والترفع الأخلاقي قبل مطالبة الآخرين بها.

في يوم المعلم، ينبغي أن نصلح المفهوم: التحية ليست للمهنة كقالب جامد أو لأدواتها كتقنية عابرة، بل التحية للرسالة كروح متقدة. التحية لكل معلم ومعلمة جعلوا من الضوء والتقنيات الحديثة جسوراً تعبر عليها الأجيال نحو النور، مقتدين بمعلم البشرية الأول ﷺ الذي غيّر وجه التاريخ برسالته، وحسم القضية للأبد: الأخلاق أولاً.. والتعليم أثرها.
             والسلام ؛؛؛

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى