كتاب الرأي

المعلم… من يصنع الطبيب والمهندس والقائد؟

في يوم المعلم: لا تكرموه بالكلمات فقط… أنصفوه في حياته وبعد تقاعده

✍️د. عصام عبدالقادر الرحالي – أكاديمي وكاتب سعودي :

في يوم المعلم، تتكرر عبارات الشكر، وتُرفع كلمات التقدير، وتُقدم الهدايا وباقات الورد لمن حملوا رسالة التعليم سنوات طويلة. لكن السؤال الأهم الذي ينبغي أن نطرحه في هذه المناسبة: هل يكفي أن نكرم المعلم يومًا واحدًا، بينما تمتد رسالته معنا ومع أبنائنا ومع أوطاننا طوال العمر؟

المعلم أكبر من مناسبة، والتعليم أكبر من وظيفة؛ فالمعلم هو الإنسان الذي يقف في مقدمة الصف ليصنع الإنسان قبل أن يصنع الموظف، ويبني العقل قبل أن يبني المهنة، ويزرع المعرفة والقيم والطموح في نفوس أجيال ستتولى غدًا مسؤولية المجتمع والوطن.

إنها مهنة الصبر والحلم، ومهنة العطاء، ورسالة تربوية وإنسانية عظيمة، ولذلك ارتبط التعليم برسالات الأنبياء عليهم السلام.

قال تعالى:

﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾.

وقال النبي ﷺ:

«خيركم من تعلم القرآن وعلمه».

وهذه المكانة لا تعني أن المعلم فوق النقد أو أن كل ممارس للمهنة كامل، وإنما تعني أن رسالة التعليم في أصلها من أعظم الرسائل التي تقوم عليها نهضة المجتمعات.

من خلف كل طبيب ومهندس وقائد… معلم

تأملوا أي طبيب ناجح، أو مهندس متميز، أو قائد مسؤول، أو وزير، أو باحث، أو أكاديمي، أو مخترع، أو رجل أعمال، أو متخصص في أي مجال من مجالات الحياة؛ ستجد وراء مسيرته معلمين ومعلمات تركوا بصماتهم في مراحل مختلفة من حياته.

فالطبيب الذي يمسك سماعته اليوم، كان بالأمس طالبًا يتعلم الحروف والعلوم.

والمهندس الذي يصمم ويبتكر، جلس يومًا على مقعد دراسي يتلقى أولى مبادئ المعرفة.

والقائد وصاحب القرار، مرّ في حياته بمعلم علّمه كيف يقرأ ويفكر ويحلل ويتحمل المسؤولية.

وربما يقف المعلم اليوم أمام طالب لا يعرف أين سيصل غدًا، بينما قد يصبح ذلك الطالب بعد سنوات طبيبًا أو مهندسًا أو قائدًا أو وزيرًا أو عالمًا أو باحثًا أو صاحب مشروع يخدم وطنه.

المعلم يزرع اليوم، والمجتمع يحصد غدًا.

مهنة لا تُقاس بساعات الدوام

من السهل أن ننظر إلى التعليم من زاوية عدد الحصص وساعات العمل، لكن الحقيقة أن رسالة المعلم لا تنتهي بانتهاء الجرس.

فالمعلم يفكر في طلابه، ويعد دروسه، ويتابع مستوياتهم، ويصحح أعمالهم، ويبحث عن أفضل الطرق لإيصال المعرفة، ويتعامل مع اختلاف الشخصيات والقدرات والظروف.

وقد ينسى كثير من الناس اسم درس أو اختبار، لكنهم لا ينسون معلمًا آمن بقدراتهم، أو كلمة تشجيع قالها لهم في الوقت المناسب، أو موقفًا ساعدهم على تجاوز مرحلة صعبة.

وهنا تكمن قوة المعلم: قد يغيّر حياة إنسان بكلمة، وقد يفتح له بابًا لم يكن يراه.

لكن… من يكرم المعلم؟

إذا كنا نطالب المعلم بالعطاء، فعلينا أن نسأل عن المقابل الذي تقدمه له المنظومة التعليمية والمجتمع.

التكريم الحقيقي لا يبدأ في يوم المعلم، ولا ينتهي بانتهاء الاحتفال.

بل يجب أن يبدأ قبل الالتحاق بالمهنة، ويستمر أثناء العمل والوظيفة، ويظل حاضرًا بعد التقاعد.

قبل التعاقد، يجب أن يحصل المعلم على التأهيل والاختيار الذي يليق بمهنة بهذه المسؤولية.

وأثناء العمل والوظيفة، يحتاج إلى بيئة مناسبة، وتدريب مستمر، وفرص للتطوير، وحوافز عادلة، واستقرار مهني ومالي وصحي، ومزايا تساعده على أداء رسالته دون أن تستنزفه أعباء الحياة.

أما بعد التقاعد، فلا ينبغي أن يتحول المعلم من صاحب رسالة وخبرة إلى إنسان تُطوى صفحته بمجرد انتهاء خدمته.

المعلم لا يحتاج إلى التصفيق فقط

المعلم يحتاج إلى أكثر من كلمات جميلة.

يحتاج إلى التقدير العملي.

يحتاج إلى تدريب يرفع كفاءته، وحوافز تشجع إبداعه، وتأمين صحي يحميه وأسرته، وبرامج إسكان تساعده على الاستقرار، وأمان مالي يخفف عنه أعباء المستقبل، ومسارات وظيفية واضحة، وتقدير للخبرات التي تراكمت لديه عبر سنوات طويلة.

ليس المطلوب أن يكون المعلم في معزل عن بقية المهن، ولا أن تمنح له امتيازات بلا ضوابط؛ وإنما المطلوب أن يكون هناك تقدير عادل يتناسب مع حجم المسؤولية والأثر الذي تؤديه المهنة.

وماذا بعد التقاعد؟

هنا تبدأ قضية أخرى تستحق وقفة جادة.

هناك معلمون أفنوا عشرين وثلاثين عامًا أو أكثر في التعليم، ثم وصلوا إلى التقاعد دون أن يمتلك بعضهم منزلًا، أو ظلوا تحت ضغط الإيجار والالتزامات المالية، أو وجدوا أنفسهم أمام احتياجات صحية واجتماعية متزايدة.

فهل ينتهي حق الإنسان في التقدير بمجرد انتهاء الوظيفة؟

وهل يعقل أن يكون المعلم قد أسهم في تعليم أجيال من الأطباء والمهندسين والقادة وأصحاب القرار، ثم لا يجد هو ما يكفيه من الأمان والاستقرار في مرحلة التقاعد؟

التقاعد نهاية وظيفة، وليس نهاية قيمة الإنسان.

والمعلم المتقاعد ليس رقمًا في سجل انتهت خدمته؛ إنه ذاكرة تعليمية وخبرة وطنية يمكن الاستفادة منها في التدريب والاستشارات والتوجيه والإشراف ونقل الخبرة إلى الأجيال الجديدة.

إذا أردنا معلمًا متميزًا… فعلينا أن نُحسن رعايته

لا يمكن أن نطالب المعلم بأعلى درجات الإبداع، ثم لا نوفر له ما يساعده على الاستقرار.

ولا يمكن أن نطلب منه صناعة أجيال المستقبل، ثم نتركه يقلق بشأن السكن أو العلاج أو المستقبل المالي.

فالاستقرار النفسي والاجتماعي والمالي لا يعني أن المعلم سيقدم عطاءً أفضل فقط؛ بل يعني أننا نقدر الإنسان الذي نحمله مسؤولية بناء الإنسان.

وهنا يجب أن تكون هناك رؤية متكاملة تبدأ من استقطاب الكفاءات، مرورًا بالتأهيل والتطوير والحوافز، وانتهاءً بالتقاعد الكريم والاستفادة من الخبرات المتراكمة.

رسالة إلى من يهمه الأمر

إلى أصحاب القرار، وإلى المؤسسات التعليمية، وإلى الجهات المعنية بالتنمية والموارد البشرية:

أكرموا المعلم قبل أن تطلبوا منه المزيد من العطاء.

امنحوه التدريب الذي يرفع كفاءته.

وفروا له بيئة العمل التي تحفظ كرامته.

حفزوه على الإبداع والتميز.

امنحوه أمانًا ماليًا وصحيًا وسكنيًا يساعده على الاستقرار.

أنصفوه أثناء العمل والوظيفة، ولا تنسوه بعد التقاعد.

فمن علّم أبناء المجتمع، وأسهم في صناعة الطبيب والمهندس والقائد والباحث والمسؤول، يستحق أن يجد المجتمع إلى جانبه عندما يحتاج إلى الرعاية والدعم.

المعلم استثمار وليس تكلفة

الدول التي تريد بناء اقتصاد قوي ومجتمع معرفي لا يمكنها أن تتعامل مع المعلم باعتباره مجرد بند وظيفي.

المعلم هو جزء أساسي من رأس المال البشري.

وكل استثمار في تدريبه وتأهيله وتحفيزه واستقراره هو استثمار في أجيال كاملة.

فالمعلم يصنع الإنسان، والإنسان يصنع التنمية، والتنمية تصنع المستقبل.

ولهذا فإن الاهتمام بالمعلم ليس مجاملة، بل هو قرار تنموي واستثمار وطني طويل الأمد.

وفي يوم المعلم… شكرًا

شكرًا لكل معلم ومعلمة حملوا رسالة التعليم بإخلاص.

شكرًا لمن صبروا على طلابهم.

شكرًا لمن أعطوا من أعمارهم وأوقاتهم وفكرهم وجهدهم.

شكرًا لمن اكتشفوا موهبة، وشجعوا طالبًا، وساعدوا متعثرًا، وفتحوا أمام إنسان طريقًا نحو النجاح.

وقد لا يستطيع الطالب أن يرد جميل معلمه، لكن نجاحه في الحياة، وخدمته لوطنه، ونفعه لمجتمعه، تبقى من أجمل الثمار التي يمكن أن يراها المعلم.

رسالتنا في يوم المعلم

أكرموا المعلم قبل المهنة، وقدّروه أثناء العمل والوظيفة، واحفظوا حقوقه وكرامته بعد التقاعد.

لا تتركوا من أفنى عمره في التعليم يواجه وحده الديون وأعباء السكن والعلاج وقسوة الحياة.

امنحوا المعلم العطاء الذي يستحقه، والامتيازات التي تعينه، والأمان الذي يطمئنه، والتقدير الذي يحفظ مكانته.

فمن زرع العلم في عقول الأجيال، يستحق أن يجد المجتمع إلى جانبه في كل مراحل حياته.

وفي هذه المناسبة، نقول لكل مربٍ ومعلم ومعلمة:

شكرًا لكم، وجزاكم الله خير الجزاء، وبارك في عطائكم، وأجزل لكم الأجر والثواب.

وحفظ الله من بقي من المعلمين والمعلمات، وأمدّهم بالصحة والعافية، ورحم الله من رحل منهم، وجزاهم عن علمهم وتعليمهم وتربيتهم وعطائهم خير الجزاء، وجعل ما قدموه علمًا نافعًا، وأثرًا باقيًا، وأجرًا ممتدًا.

كل عام ومعلمو ومعلمات الوطن بخير،
وكل عام ورسالتهم منارة علم وبناء وعطاء.

**المعلم ليس مجرد وظيفة…

المعلم رسالة عمر، وأمانة وطن، وصانع أجيال.**

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى