كتاب الرأي

دائرة معلّقة

      ✍🏻 منى الصبياني- كاتبة سعودية :

كنت قد فرغت من صلاة العشاء، وما زلت جالسةً باتجاه القبلة في أبعد غرفة في المنزل.

لم أختر ذلك المكان مصادفة؛ كنت أهرب من شيء يثقل صدري، شيء لا أفهمه تمامًا ولا أجيد ترتيبه في داخلي.

جلست على سجادتي الناعمة ذات النقوش الإسلامية والألوان الهادئة. أخذت نظراتي تتجول في المكان؛ الباب تارة، والستائر تارة أخرى، ثم تفاصيل السجادة تحت قدمي، إلى أن استقرت عيناي على ساعة الحائط.

للحظة، انقشع عني ستار الحياة.

ذابت الأشياء من حولي حتى تساوت في خط أفقي واحد، وبقيت تلك الدائرة معلّقة أمامي.

ساعة صغيرة بلا زوايا، تحركها بطارية قابلة للنفاد.

تأملتها طويلًا.

عندها تساءلت: كيف يمكن لحياة الإنسان أن تختصرها أربع وعشرون ساعة، تمثلها أرقام متراصة، وبين رقم وآخر تتبدل أحوال الناس وتتغيّر؟

في الساعة نفسها، يرقد إنسان آمنًا في خيمته وسط الصحراء، بينما يرتعد آخر خوفًا في قصر فاره.

يجوع أحدهم ويعصب بطنه من شدته، بينما لا يعرف آخر أين يضع فائض طعامه.

هذا بُشّر بمولوده المنتظر، وذاك ينتظر نتائج تحاليل مرضه.

هذا يبدأ يومه الدراسي الأول، وآخر يتسلّم شهادة تخرجه.

وهذا ينام على فراشه الحريري، بينما إنسان آخر يرقد تحت التراب.

كل ذلك يحدث في الساعة نفسها.

العقارب لا تعرف شيئًا عن اختلاف الحكايات التي تمر بها. تدور فقط.

عادت عيناي إلى سجادتي.

ربما كانت أصفى لحظاتنا وأعمقها تلك التي نجلس فيها هكذا، وقد هدأ كل شيء من حولنا، لنمنح أرواحنا فرصة أن تتخفف قليلًا مما حملته مع مرور الأيام وتبدل الأحوال.

نحسب أعمارنا أحيانًا بالساعات والأيام والسنوات، لكننا في لحظات كهذه نحسبها بطريقة أخرى:

كيف عشنا كل هذا؟
وما الذي تغير فينا ونحن نعبره؟

رفعت عيني إلى الساعة مرة أخرى.

ما تزال العقارب تدور، تعلن بداية هنا ونهاية هناك، بينما نظل نحن داخل هذه الدائرة؛ بين شعور ونقيضه، بين رجائنا أن تنتهي لحظة، ورغبتنا في أن تدوم أخرى.

وهكذا تمضي الأيام، أخوض فيها صراعاتٍ تترك شيئًا من عوالقها في قلبي. وعلى سجادتي، تصغر الدنيا في عيني حتى تكاد تتلاشى، فلا أعظّم غير أمر الآخرة وما أعدّه لها.

حينها يخف الثقل عن صدري، وتنفكّ عُقَدٌ تكوّنت في داخلي.

أغمضت عينيّ وتنفست بعمق.

فالشيء الذي دخلت الغرفة هاربة منه لم يختفِ، لكنه لم يعد بالحجم نفسه.

ولم أعد أرقب الساعة كما كنت.

تركت العقارب تدور.

وفهمت أن ما كان يؤلمني لم يكن مرور الوقت…

بل ما كنت أحمله في صدري وأنا أعبره.

‏للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى