الكنز الحقيقي

✍️صالح بن سعيد الحمداني ـ سلطنة عمان:
الحياة مليئة بالمنعطفات والصفعات وليست دائمًا طريقًا معبّدًا بالورود، فتلك اللحظات التي تعيد الإنسان إلى ذاته وتكشف له الحقيقة كما هي بلا زيف، فأحيانًا تأتيك الصفعة حين تكتشف أن الزمن قد غدر بك وأن من حسبتهم سندًا كانوا في الحقيقة مجرد عابرين في حياتك، وأن بريق المال والملذات الزائفة قد استدرجك بعيدًا عن من تحب ومن يستحقون الوفاء، في لحظة الوعي المؤلم تلك تدرك أنك بعتَ الأعزاء لأجل سراب وأنك غيّرت ملامح ذاتك وانجرفت في تيار الخديعة لتستيقظ في النهاية وحيدًا على ضياع العمر وخسارة من لا يُعوَّضون، المال في جوهره وسيلة لا غاية، لكنه يتحوّل عند كثيرين إلى فتنة تُغويهم بوعود القوة والراحة والجاه حتى تبهت أمامهم صور الوفاء والإخلاص وتُستبدل المشاعر الصادقة بأوراق نقدية لا تحمل دفئاً ولا ذاكرة.
ومن المؤسف أن الإنسان حين ينشغل في ملاحقة سراب الملذات يبتعد عن جذوره الحقيقية كأهله وأصدقاؤه ورفاق دربه الذين كانوا يومًا مرآته، في تلك اللحظة التي يكتشف فيها الخسارة يكون قد سقط من أعينهم كما تسقط أوراق الخريف اليابسة بعد أن فقدت لونها الأخضر وروحها الحية، ولعل أقسى ما في الأمر أن الوجوه التي كنت تركض خلفها وتظنها وجوهًا براقة سرعان ما تنكشف حقيقتها فإذا بها مجرد أقنعة مصنوعة بعناية لتخدعك، تراها تتلون كما يتلون الحرباء بينما الأعزاء الذين أهملتهم يومًا يظلون على ثباتهم وضّائين كالشمس في مطلع النهار، لا تغيّرهم مغريات الدنيا ولا تقلبات الظروف، ومع ذلك حين تعود إليهم بعد غيابك تدرك أنهم ينظرون إليك بعين الحسرة وربما الأسى لأنك سقطت من أعينهم ولم تعد كما كنت في قلوبهم، الإنسان حين يسقط من أعين أحبته يفقد شيئاً أثمن من المال ومن الجاه، يفقد ثقة الآخرين، والثقة حين تُكسر لا تُرمم بسهولة، فقد يُسامحك الناس وقد يفتحون لك أبواب الحديث مجددًا لكنهم نادرًا ما يعيدونك إلى المكانة الأولى التي كنت تحتلها في وجدانهم، وهذا هو الخريف الحقيقي في حياة الإنسان أن يصبح “نسيًّا منسيًّا” بعد أن كان ملء السمع والبصر.
من هنا تأتي أهمية أن نراجع أنفسنا باستمرار وألا نسمح لبريق المال أو زخرف الحياة أن يسرق منا جوهرنا الإنساني، فالأعزاء الحقيقيون هم رأس مالنا الأثمن وهم ملاذنا حين تنهار الأحلام ودفؤنا حين يبرد الزمان، إن خسرناهم فلن يعوضنا مال الدنيا ولن تشفع لنا الملذات العابرة، لقد أثبتت التجارب أن الإنسان لا يُعرف وقت الرخاء فمعدنه يُعرف وقت الشدة، في السقوط والخيبات تظهر المعادن الأصيلة وحين تنكشف الأقنعة لمن حولك ستدرك أن من بقي ثابتًا إلى جانبك هو الكنز الحقيقي، أما من اختفى مع أول هزة فوجوده لم يكن إلا وهمًا، وما أقسى أن تكتشف أنك كنتَ أنت نفسك من خان هذا الكنز حين أغراك البريق، فالدرس الذي تمنحه لنا هذه الصفعات أن الحياة لا تُقاس بما نملك من مال وإنما بما نملك من قلوب صادقة حولنا، وأن الوفاء قيمة لا تقدر بثمن وإذا فقدها الإنسان فقد معها بوصلة الطريق، وفي زمن يتغير فيه كل شيء بسرعة يظل الثابت الوحيد هو صدق العلاقات الإنسانية التي تُبنى على المودة والاحترام، قد يسقط الورق في الخريف لكنه يمنح الشجرة فرصة لتعود أجمل في الربيع، أما سقوط الإنسان من أعين أحبته فإنه لا يمنحه فرصة التجدد بالسهولة ذاتها، لذلك علينا أن نصون هذه النعمة قبل فوات الأوان وأن نضع الأعزاء في المقام الأول قبل أن نجد أنفسنا نقف على الأطلال نرثي ما أضعناه بأيدينا، وقبل أن أنهي حديثي أهمس في أذني وأذنك حين تصفعك الحياة صفعة موجعة لا تيأس بل اجعل منها نقطة تحول، تعلم كيف تفرّق بين سراب الملذات ونور الوفاء وكيف تختار من يستحق أن تفتح له قلبك، فالأيام تمضي والوجوه تتغير لكن من يبقى ثابتًا في حياتك هو شمسك الحقيقية، لا تسمح لنفسك أن تكون ورقة خريف، كن شجرة راسخة تمد جذورها في أرض الوفاء، وتمنح ظلالها لمن يستحق.
للتواصل : [email protected]



