كتاب الرأي

حين يوقظ الفقد الكلمات….. حادث حدف بولاية محضة

 ✍️سلطان بن حميد المقبالي ـ سلطنة عمان: 

لم أعتد الكتابة عن مشاعري ولم أكن أجد نفسي في تحويل ما يختلج في الصدر إلى كلمات وسطور، كنت أؤمن أن بعض المشاعر أكبر من أن تختصرها العبارات، وأن بعض الأحزان تظل أبلغ من أي نص يمكن أن يُكتب، غير أن بعض المواقف تكون أقوى من الصمت وبعض الفواجع تفتح في القلب أبوابًا من الحزن يصعب إغلاقها، فتدفع الإنسان إلى الكتابة، حتى عندما يشعر أن الكلمات أقل من أن تحمل ما في داخله، لقد كانت فاجعة حادث حدف بولاية محضة واحدة من تلك اللحظات التي هزّت القلب وأثقلت الروح، وجعلتني أكتب، أكتب لأن القلب في لحظات الفقد يحتاج أحيانًا إلى أن يتحدث، ولأن الحزن حين يشتد يبحث عن منفذ، وقد تكون الكلمات أقرب الطرق للتعبير عما تعجز النفس عن حمله وحدها.

في هذا الحادث الأليم انتقلت إلى رحمة الله ابنتا أخي، كما انتقلت إلى رحمة الله طفلتان، ابنتا ابنة أخي المتوفاة. أربع أرواح طاهرة غادرت الحياة في لحظة مؤلمة، وتركت خلفها فراغًا عميقًا في قلوب أهلها ومحبيها، وذكريات ستظل حاضرة مهما مرت الأيام، رحمهن الله رحمة واسعة وأسكنهن فسيح جناته، وأكرم نزلهن، وجبر قلوب أهلهن وذويهن، وألهم الجميع الصبر والسلوان، وربط على قلوب كل من عرفهن وأحبهن.

إن موت الفجأة من أقسى ما يمكن أن يواجهه الإنسان؛ فهو يأتي دون موعد، ودون أن يمنح القلب فرصة للاستعداد، أو الأحبة فرصة لقول كلمة أخيرة، أو وداع أخير، وقد يكون اللقاء الذي مرّ بالأمس في تفاصيله المعتادة هو اللقاء الأخير، دون أن يدرك أحد أن لحظة عابرة ستتحول لاحقًا إلى ذكرى لا تُنسى، وما أصعب أن يتحول الخبر خلال لحظات من مجرد حادث نسمع عنه إلى أسماء نعرفها، ووجوه نحبها، وذكريات عشناها مع أصحابها، عندها يصبح الخبر مختلفًا، ويصبح الألم أقرب، ويشعر الإنسان أن المسافة بين سماع الفاجعة والعيش داخلها قد اختفت في لحظة واحدة.

في مثل هذه اللحظات تتراجع الكلمات أمام هول المصاب، ويقف الإنسان حائرًا أمام قضاء الله وقدره، نؤمن أن الموت حق، وأن لكل إنسان أجلًا مكتوبًا، وأن ما كتبه الله واقع لا محالة، غير أن الإيمان بالقضاء والقدر لا يلغي الحزن، ولا يمحو ألم الفقد، ولا يجعل رحيل الأحبة أمرًا سهلًا على القلب، فالحزن جزء من طبيعة الإنسان، والدمعة التي تنزل من العين تعكس محبة عميقة لمن رحلوا، رحلت أربع أرواح عزيزة وبقيت خلفهن قلوب مكلومة، وبيوت تغيّرت ملامحها، وأماكن ستستعيد حضورهن في الذاكرة، وتفاصيل صغيرة ستعيد إلى الأذهان وجوههن وأصواتهن ومواقفهن، سيأتي الصباح، وستستمر الحياة في مسارها، غير أن شيئًا في قلوب أهل الفقيدات سيظل يحمل أثر هذا الرحيل، وستظل هناك لحظات يتوقف فيها الزمن أمام ذكرى أو صورة أو موقف يعيد إلى القلب شعور الفقد من جديد.

وإذا كان الموت قد أخذ الأجساد فإنه لا يستطيع أن يأخذ المحبة من القلوب، ولا الذكريات من الذاكرة، ستبقى عائشة وعليا وشيماء وميثة حاضرات في دعوات من عرفهن وأحبهن، وستظل أسماؤهن مرتبطة بذكريات جميلة لا يغيب أثرها، فالأحبة قد يغيبون عن أعيننا، لكن حضورهم في القلب لا تحده الأيام، ولا تمحوه المسافات، ولا تنهيه السنون، ولعل أقسى ما في الفقد أن الإنسان يكتشف بعد الرحيل قيمة تفاصيل كان يظنها عادية؛ ابتسامة عابرة، حديث قصير، جلسة عائلية، مناسبة جمعت الأحبة، أو لحظة مرت سريعًا دون أن نعرف أنها ستصبح يومًا ذكرى نعود إليها بحثًا عن شيء من حضور من فقدناهم، لهذا تبقى الذكريات كنزًا ثمينًا، لأنها تمنح القلب فرصة لاستحضار من رحلوا، وتعيد إلى الروح شيئًا من دفء الأيام التي جمعتنا بهم.

لقد حرّك هذا الفقد مشاعري فكتبت وفاءً لذكراهن، وتعبيرًا عن ألم يسكن القلب، ودعاءً لأرواحهن بالرحمة والمغفرة، فالكتابة هنا لا تبحث عن البلاغة، ولا تدّعي قدرة الكلمات على حمل هذا الحزن، وإنما هي محاولة صادقة للبوح بما يعجز القلب عن كتمانه، ورسالة وفاء لأرواح غالية رحلت سريعًا، وتركت خلفها محبة كبيرة وأثرًا عميقًا في نفوس أهلها وكل من عرفها، وفي مثل هذه المصائب لا يجد الإنسان ما يقدمه لأرواح الراحلين سوى الدعاء، ولا يملك لأهلهم سوى المواساة والوقوف إلى جانبهم بالكلمة الطيبة والمشاعر الصادقة، نسأل الله أن يجعل ما أصابهم رفعةً في الدرجات، وأن يمنح أهلهم الصبر والقوة، وأن يخفف عن قلوبهم ألم الفقد، وأن يملأها بالسكينة والرضا، اللهم إنهن بين يديك، فكن بهن رحيمًا، وأكرم نزلهن، ووسّع مدخلهن، واغفر لهن وارحمهن، وتجاوز عنهن، وأبدلهن دارًا خيرًا من دارهن، وأهلًا خيرًا من أهلهن، واجعل قبورهن روضة من رياض الجنة، اللهم اجعل عائشة وعليا وشيماء وميثة من أهل الجنة، واجعل القرآن نورًا لهن، والرحمة تحفّ بهن، والطمأنينة تسكن أرواحهن، اللهم اربط على قلوب أهلهن وذويهن، وألهمهم الصبر والثبات، واجبر كسرهم، وخفف عنهم ألم الفراق، وعوّضهم خيرًا، واجمعهم بهن في جنات النعيم، في مقام لا فراق فيه ولا حزن.

رحم الله أرواحًا رحلت وترك رحيلها في القلب أثرًا لا يزول، وجعل ذكراهن طيبة، ودعاء الناس لهن مستمرًا، وجمعنا وإياهن في دار كرامته ومستقر رحمته.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى