كتاب الرأي

إنذار كاذب من القلب.. والفاعل الصامت: أوتار الرقبة والمعدة…

       ✍️عا ئشه السبيعي -كاتبة سعودية : 

حين يتحدث الجسد بلغة الخوف:

في زحام حياتنا اليومية، نتحرك وننجز أعمالنا دون أن ندرك أن أجسادنا قد تتحمل جهدًا صامتًا يترقب أقل حركة ليعلن عن نفسه.

وفجأة، وبسبب حركة بسيطة نراها عادية، يباغتنا الجسد بإشارات تحذيرية حادة؛ موجة حرارة تصعد حتى الرأس، وارتعاش غير إرادي في اليدين، ودقات قلب تتسارع بشكل مباغت ومخيف.

في تلك اللحظات الفاصلة، وحين لا تكون هناك خلفية طبية سابقة تفسر ما يحدث، يسيطر على العقل سيناريو واحد لا ثاني له:

«هناك خطب ما في قلبي، وأنا على وشك الإغماء!»

لكن الحقيقة التي تكشفها الفحوصات لاحقًا قد تكون مختلفة تمامًا عما توقعناه، ونفتح أعيننا على شبكة الاتصال العجيبة داخل أجسادنا.

البداية: حركات بسيطة وصدمة التشخيص

بدأت قصتي بمواقف متفرقة لم أضع لها تفسيرًا في حينها.

فبينما كنت أحمل أكياس التسوق من إحدى المتاجر، تفاجأت بيدي اليسرى تبدأ بالاهتزاز والارتعاش العشوائي بشكل يدعو للاستغراب.

وتكرر الأمر بصورة أشد رعبًا عند حركة بسيطة؛ فلم أكن أحمل شيئًا ثقيلًا، بل كل ما فعلته هو أنني حاولت رفع المرتبة من على السرير لأضعها واقفة جانبًا.

وفي تلك اللحظة بالذات، سرت في جسدي موجة حرارة مفاجئة وشديدة صعدت حتى رأسي، ورافقها هبوط ودوار شديدان لدرجة شعوري بالإغماء، مع تسارع حاد في نبضات القلب.

حاولت حينها السيطرة على الوضع، فصببت ماءً باردًا من أعلى رأسي حتى هدأت موجة الحرارة، ثم شربت كوبًا من الشاي.

ورغم هدوء الأعراض قليلًا، فإن اليقين الذي استقر في ذهني كان أن قلبي يعاني من مشكلة خطيرة.

توجهت إلى المستشفى بحالة من القلق والترقب، جازمة بوجود خلل في القلب، لكن تشخيص الطبيب جاء مغايرًا تمامًا لتوقعاتي.

قال لي الطبيب إن القلب، بحسب الفحوصات والتقييم، يدعو إلى الاطمئنان، وإن الأعراض قد تكون مرتبطة بمنطقة الرقبة؛ إذ كانت العضلات والأوتار فيها متعبة ومجهدة من الأساس، ومع زيادة المجهود أثناء رفع المرتبة ظهرت الأعراض بصورة حادة، إلى جانب تأثير وضعية النوم ونوع الوسادة غير المناسبة.

وكان التعامل مع الحالة بسيطًا للغاية: الراحة، وتخفيف الإجهاد عن الرقبة، واستخدام الكمادات الدافئة للمساعدة على فك التشنج.

التجربة الثانية: هذه المرة كانت المعدة في الصورة

ولم تكن هذه التجربة هي الوحيدة.

في موقف آخر، باغتتني نوبة خفقان متسارعة ومتلاحقة للقلب بشكل لا يُطاق، وللمرة الثانية اتجه الشك فورًا إلى القلب.

لكن الفحوصات كشفت مجددًا عن مفاجأة أخرى؛ فالسبب هذه المرة لم يكن القلب، وإنما كانت المعدة جزءًا من الصورة.

وهنا بدأت أكتشف أن الأعراض التي نشعر بها في أجسادنا قد تكون مرتبطة بأكثر من عضو، وأن الإحساس الذي نعتقد أنه صادر من القلب قد تتداخل معه إشارات عصبية أو هضمية أو استجابة الجسم للألم والتوتر.

التفسير العلمي: كيف يمكن للرقبة والمعدة أن تتداخلا مع هذه الأعراض؟

إن الربط بين بعض هذه الأعراض وبين القلب ليس بالضرورة وهمًا نفسيًا، بل يمكن أن يرتبط بطريقة عمل الجهاز العصبي واستجابة الجسم للألم والإجهاد.

فعندما يتعرض الجسم للألم أو الإجهاد أو التوتر المفاجئ، يمكن أن تنشط استجابة «الكرّ والفرّ» المرتبطة بالجهاز العصبي الودي، ما قد يؤدي إلى تسارع نبضات القلب، والشعور بالحرارة، والتعرق، والرجفة، والدوخة.

ومن هنا، يمكن أن تكون آلام أو تشنجات منطقة الرقبة جزءًا من سلسلة الأعراض التي يشعر بها الإنسان، خصوصًا عند حدوث حركة مفاجئة أو مجهود على عضلات متعبة.

أما ارتعاش اليد أو الشعور بضعف أو تنميل فيها، فهي أعراض لها أسباب متعددة، ولذلك لا يمكن إرجاعها تلقائيًا إلى الرقبة أو الأوتار من دون تقييم طبي.

وفي المقابل، ترتبط المعدة والجهاز الهضمي ارتباطًا وثيقًا بالجهاز العصبي اللاإرادي، ومن ضمنه العصب الحائر الذي يشارك في تنظيم عدد من وظائف الجسم، ومنها وظائف الجهاز الهضمي والقلب.

ولهذا قد تترافق بعض اضطرابات الجهاز الهضمي، مثل الانتفاخ أو الارتجاع أو عسر الهضم، لدى بعض الأشخاص مع شعور بعدم الراحة في منطقة الصدر أو زيادة الإحساس بضربات القلب.

وهنا تحديدًا تأتي أهمية الفحص الطبي وعدم الاعتماد على التشخيص الذاتي.

رسالة توعوية: الفهم طريق الاطمئنان

تجربتي جعلتني أدرك أن الجسم قد يرسل إشارات متشابهة لأسباب مختلفة، وأن العرض الذي نشعر به لا يكفي وحده لمعرفة مصدره.

لذلك، لا ينبغي تجاهل الأعراض الجديدة أو الشديدة، ولا افتراض سببها اعتمادًا على تجربة سابقة أو تشخيص ذاتي.

وفي النهاية

لم أكتب هذه التجربة لأضع تفسيرًا طبيًا لكل عرض، ولا لأقول إن كل خفقان سببه المعدة، أو أن كل دوخة سببها الرقبة. أنا فقط أنقل ما مررت به، وما تعلّمته من تجربتي، لعلها تكون مفيدة لشخص قد يمر بأعراض مشابهة ويجد نفسه خائفًا من أسوأ الاحتمالات.

أنا شخصيًا، في المرة الأولى، كنت مقتنعة أن المشكلة في قلبي، ثم أظهرت الفحوصات أن الأمر مرتبط بالرقبة والإجهاد. وفي المرة الثانية، تكرر خوفي من القلب، لكن المعدة كانت جزءًا من الصورة.

وهنا أدركت أن الأعراض التي نشعر بها قد تكون أكثر تعقيدًا مما نتصور، وأن الشعور بألم أو خفقان أو دوخة في مكان معين لا يعني بالضرورة أن مصدر المشكلة هو العضو نفسه.

لكن أهم ما خرجت به من هذه التجربة هو أن الاطمئنان لا يأتي من التخمين، وإنما من الفحص ومعرفة السبب.

لذلك أحببت أن أشارك تجربتي كما عشتها؛ ليس بهدف التشخيص أو التعميم، وإنما من باب الإفادة، وربما حتى أقول لمن مرّ بموقف مشابه: لا تستسلم للخوف من أول تفسير يخطر في بالك، وفي الوقت نفسه لا تتجاهل جسدك إذا أرسل لك إشارة جديدة أو شديدة.

استمع إلى جسدك، وامنحه الراحة التي يحتاجها، وإذا استدعى الأمر فامنحه أيضًا حقه في الفحص والاطمئنان.

هذه كانت تجربتي، وما تعلّمته منها، وأحببت أن أشاركها لعل فيها فائدة لغيري . 

للتواصل : h6060h500@gmail. Com

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى