الأصلي يبقى أصليًا.. حين يتنكر التلميذ لمدرسته

✍️علي مديني السيد – كاتب سعودي :
في كل مجال مهني، هناك أشخاص لا يكتفون بتعلم المهنة، بل يصنعون لأنفسهم مدرسةً ومنهجًا وأثرًا يبقى بعدهم. وفي قطاع السياحة، الذي يحتاج إلى التراكم والخبرة والعلاقات والمعرفة، لا تُبنى المكانة بين ليلة وضحاها، ولا تُختصر صناعة الإنسان السياحي في حضور دورة أو الحصول على بطاقة أو الظهور في فعالية.
ومن هنا تأتي حكاية «أكاديمية نجوم السياحة»؛ الأكاديمية الافتراضية المعنوية التي لم تكن جدرانها من إسمنت، ولا فصولها محصورة في قاعات، وإنما كانت مدرسةً قائمة على الممارسة، والتجربة، والاحتكاك، ونقل المعرفة، وإتاحة الفرص، وصناعة الأشخاص قبل صناعة الأسماء.
خرج من هذه المدرسة أشخاص تعلموا، وشاركوا، واكتسبوا الخبرة، ووجدوا مساحةً للظهور والممارسة. وهذا بحد ذاته ليس عيبًا، بل هو نجاح لأي مدرسة مهنية؛ فالمعلم الحقيقي يفرح عندما يرى من تعلم منه يتقدم.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول التعلم إلى تنكر، والاستفادة إلى جحود، والتلميذ إلى منافس يحاول أن يمحو الطريق الذي سار عليه.
فالاختلاف مشروع، والمنافسة مشروعة، لكن إنكار الفضل ليس من شيم الكبار.
هناك فرق بين أن تبني تجربتك الخاصة مستفيدًا مما تعلمته، وبين أن تحاول تقديم التجربة ذاتها وكأنها بدأت معك. فرق بين أن تنافس، وبين أن تتنكر للمصدر الذي منحك أول فرصة، وأول مساحة، وأول تجربة، وربما أول ثقة.
ربع قرن من صناعة الذات
وراء كل تجربة حقيقية سنوات لا يراها الجمهور.
سنوات من التعلم، والسفر، والاحتكاك بالناس، والعمل في الميدان، والبحث، والتجربة والخطأ، وبناء العلاقات، وتحمل المسؤولية، وتكوين المعرفة المتراكمة.
وهنا يأتي نموذج «شيخ شمل السياحة»؛ د.عبدالمحسن البقمي ذلك الذي قضى قرابة ربع قرن من عمره في صناعة نفسه، قبل أن يساهم في صناعة رموز وأسماء في المجال السياحي.
لم تبدأ الحكاية من منصة أو حساب في وسائل التواصل الاجتماعي، ولم تكن وليدة موسم أو فعالية عابرة.
إنها رحلة طويلة من التعلم والممارسة وصناعة الخبرة وصناعة الآخرين.
ومن الطبيعي أن من قضى سنوات طويلة في بناء مدرسة مهنية يرى بعض من تعلموا على يده وهم ينطلقون إلى آفاق جديدة. لكن ما ليس طبيعيًا أن تتحول الاستفادة من المدرسة إلى محاولة إنكار وجودها.
لا أحد يحتكر النجاح.. لكن التاريخ لا يُمحى
الساحة السياحية تتسع للجميع.
ولا توجد مشكلة في أن يظهر منافسون جدد، أو أن يؤسس المتعلمون مشاريعهم وكياناتهم، أو أن يقدموا أفكارًا جديدة.
بل إن المنافسة الصحية ترفع مستوى القطاع.
لكن المنافسة الحقيقية لا تحتاج إلى إنكار الآخرين، ولا إلى نسخ التجارب، ولا إلى محاولة إسقاط الأصل من أجل إثبات وجود التقليد.
الأصل لا يحتاج إلى أن يعلن عن أصالته كل يوم؛ الزمن والممارسة والأثر كفيلة بذلك.
والتجارب التي بُنيت على سنوات طويلة من العمل لا تُقاس بعدد المنشورات، ولا بعدد الفعاليات، ولا بحجم الضجيج حولها.
إنما تقاس بما تركته من أثر، وبالأشخاص الذين ساهمت في تطويرهم، وبالمعرفة التي نقلتها، وبالمشاريع التي صنعتها، وبالطريق الذي فتحته أمام الآخرين.
إلى من تعلموا ثم مضوا
امضوا.
نافسوا.
أسسوا.
ابتكروا.
اصنعوا أسماءكم بأنفسكم.
لكن لا تنكروا الطريق الذي أوصلكم إلى أول خطوة.
فمن الوفاء أن يقول الإنسان: تعلمت من هذه المدرسة، ثم صنعت تجربتي الخاصة.
أما أن يحاول الإنسان أن يمحو المدرسة بعد أن تخرج منها، فهذه ليست قوة، وإنما محاولة لإعادة كتابة التاريخ.
وفي النهاية، تبقى قاعدة بسيطة في كل المجالات:
الأصيل لا يخشى المنافسة، والتقليد لا يصنع تاريخًا بمجرد الوقوف بجانب الأصل.
والأشخاص الذين قضوا أعمارهم في بناء أنفسهم وصناعة غيرهم لا يحتاجون إلى الدخول في معارك لإثبات من سبق ومن أسس.
يكفيهم أثرهم.
ويكفيهم أن كثيرًا ممن يقفون اليوم في الساحة، بدأوا يومًا من المكان الذي فتح لهم الباب.
الأصلي يبقى أصليًا.. والتقليد، مهما حاول الاقتراب، يبقى تقليدًا.
للتواصل : [email protected]



