مستشفى الحياة والتحول في مسيرة بن جارالله من الانضباط العسكري إلى الأثر التنموي

✍️أ. د. محمد شايع الشايع – كاتب وأكاديمي بجامعة الملك سعود :
هناك شخصيات لا يمكن اختزال تجربتها في مهنة أو مشروع، لأن مسيرتها تتشكل عبر مراحل متتابعة، يبدأ بعضها من المكان والبيئة، ثم تصقلها التجربة والتعليم والعمل، قبل أن تتحول الخبرة إلى مؤسسات وأثر يتجاوز حدود صاحبها. ومن أحد رفيدة بدأت مسيرة محمد بن ناصر بن جارالله، في بيئة جنوبية ريفية صنعت في نفسه الصبر ورسخت قيمة العمل، ثم انتقل إلى التعليم العسكري والعمل في القوات المسلحة، قبل أن يخوض تجربة جديدة في ميادين الأعمال والعمل المؤسسي، حاملا معه الانضباط وتحمل المسؤولية وصناعة القرار.
كان الانتقال من الميدان العسكري إلى عالم الأعمال انتقالا في طبيعة المسؤولية أكثر منه تغييرا في جوهرها، فالانضباط وإدارة الوقت وتحمل القرار والالتزام بالنتائج انتقلت معه من المؤسسة العسكرية إلى العمل المدني، ثم اتسعت دائرة المسؤولية من أداء المهمة إلى بناء المؤسسات وتطويرها. وهي شخصية تجاوزت النمطية دون أن تتخلى عن قيمها وأصالتها، وجعلت من التربية ركيزة في بناء الشخصية، مستندة إلى تعاليم الدين والسماحة وحسن الخلق، وجمعت بين صرامة العمل ولين الجانب، وبين قوة القرار وحسن التعامل.
وانعكس هذا النهج على الأسرة، فكان التعليم وصناعة المستقبل جزءا من المسؤولية، فدعم أبناءه وأحفاده في مساراتهم العلمية والمهنية، وشجعهم على تطوير قدراتهم وتحمل مسؤولياتهم. ومن بين هذه المسارات تبرز تجربة ابنته الدكتورة فوزية آل جارالله، التي اتجهت إلى الطب، ثم أصبحت الرئيس التنفيذي لمجموعة مستشفيات الحياة الوطني. وهنا تتصل التربية بالتعليم، والتعليم بالتخصص، والتخصص بمشروع صحي اتسعت دائرته مع الزمن، ليصبح الاستثمار في الإنسان داخل الأسرة امتدادا للاستثمار في الإنسان داخل المؤسسة.
ومن هنا تأخذ الرعاية الصحية موقعها الحقيقي في قصة بن جارالله، فهي ليست نشاطا يضاف إلى مسيرة طويلة، بل مجال يرتبط مباشرة بالإنسان، ويحتاج إلى استثمار مستمر في المنشآت والكفاءات والتقنيات والتدريب. والمستشفى في جوهره ليس مبنى طبيا، وإنما منظومة متكاملة يعمل فيها الطبيب والممرض والفني والإداري، وتلتقي فيها المعرفة بالتقنية والخبرة بالمسؤولية لخدمة المريض وأسرته. ومنذ انطلاق مستشفيات الحياة الوطني تطورت التجربة وتوسعت في عدد من مناطق المملكة، وأصبحت الرعاية الصحية أحد أبرز مجالاتها.
وفي قلب هذه المسيرة يأتي مستشفى الحياة الوطني بأبها، وهو مشروع يكتسب دلالة خاصة من موقعه في منطقة عسير القريبة من المكان الذي بدأت فيه قصة بن جارالله. ففي أبها يلتقي الماضي بالحاضر، وتلتقي الجذور بمشروع صحي حديث، وتظهر المسافة التي قطعتها التجربة من بيئة ريفية إلى مؤسسة تقوم على المعرفة والتخصص والعمل المؤسسي. ولذلك لا يبدو المستشفى مجرد منشأة في قائمة المشروعات، بل محطة ذات معنى في مسيرة طويلة، فالمكان الذي شهد البدايات يحتضن اليوم أحد فصول الرعاية الصحية في التجربة، وكأن الجغرافيا تعيد وصل أول الحكاية بآخرها.
ولا تنفصل الرعاية الصحية عن التعليم، فالمستشفى الحديث يحتاج قبل المبنى والتجهيزات إلى الإنسان القادر على تشغيل المنظومة وتطويرها. الطبيب يحتاج إلى تدريب، والممرض إلى تأهيل، والفني إلى معرفة متجددة، والإداري إلى خبرة في إدارة قطاع شديد الحساسية. ومن هنا يأتي الاهتمام بتأهيل الكفاءات الصحية وتطوير التعليم والتدريب، لأن التوسع في المنشآت لا يكتمل إلا بالتوسع في بناء الإنسان.
وخارج الرعاية الصحية امتدت مساهمات بن جارالله إلى العمل المجتمعي والخيري والإسكان التنموي، بما يعكس اتساع مفهوم المسؤولية من المشروع إلى المجتمع. لكن اللافت في التجربة ليس تعدد المجالات بقدر ما هو القدرة على جمعها في مسار واحد، نشأة صنعت الصبر، وانضباط عسكري شكل الشخصية، وعمل بنى الخبرة، وأسرة جعلت التعليم جزءا من صناعة المستقبل، ومشاركة مجتمعية وسعت دائرة المسؤولية، ثم رعاية صحية أصبحت ميدانا لصناعة الأثر.
ويبقى في هذه المسيرة جانب يستحق التوقف، وهو أن النجاح لم يحجب الإنسان عن الناس. فطيب المحيا والتواضع وحسن التعامل والقرب من الآخرين ظلت حاضرة إلى جانب صرامة العمل وقوة القرار. وهذه معادلة مهمة في صناعة القيادات، لأن بناء المؤسسات يحتاج إلى الإدارة، لكن صناعة الأثر تحتاج إلى إنسان يستطيع أن يقود دون أن يفقد بساطته، وينجح دون أن تتحول النجاحات إلى مسافة تفصله عن مجتمعه.
ولهذا فإن تجربة بن جارالله تستحق أن تتجاوز حدود السيرة إلى مادة تدرس، ومحاضرات تلقى، وحالة عملية تناقش، ونموذج يحاكى في بناء الإنسان والمؤسسة وصناعة الأثر. ليس الهدف تكرار الأشخاص، وإنما استخلاص القيم والممارسات التي يمكن أن تستفيد منها الأجيال، من الانضباط والعمل والتعليم إلى التواضع وحسن التعامل وخدمة المجتمع.
ومن أحد رفيدة بدأت الحكاية، وفي أبها اتسع فصلها الصحي، وبين المكانين مسيرة لم يكن التحول فيها من مهنة إلى مهنة فقط، وإنما من تجربة شخصية إلى أثر مؤسسي. فالقيمة الحقيقية لأي تجربة لا تقاس بما أنجزه صاحبها لنفسه، وإنما بما تركه من معرفة يمكن أن تدرس، وخبرة يمكن أن تنقل، ومؤسسة يمكن أن تستمر، وأثر يمكن أن يبقى. وحين يجتمع الانضباط مع التواضع، والعلم مع العمل، وقوة القرار مع طيب المحيا، والنجاح مع خدمة الناس، تصبح التجربة جديرة بأن تروى للأجيال، لا بوصفها قصة رجل وصل، وإنما قصة إنسان حافظ على قيمه وهو يصنع نجاحه، ثم حول هذا النجاح إلى مسؤولية، وهذه المسؤولية إلى مؤسسة، وهذه المؤسسة إلى أثر في حياة الناس.
للتواصل : [email protected]



