الاخبار الفنية والثقافية

مجدي بكري يقرأ «أيوب».. حين اتسع البئر لوجع أم

عنوان – متابعات – هشام حسن نتو :

قدّم الكاتب والناقد مجدي بكري قراءة نقدية في قصيدة «أيوب» للشاعر العُماني مسعود محاد جعبوب، التي استلهمها من حادثة سقوط الطفل الجزائري أيوب في بئر ارتوازية بولاية البيض، وكتبها الشاعر على لسان أم تنتظر خروج طفلها حيًا سالمًا.

ويُعد جعبوب أحد الأسماء الشعرية في محافظة ظفار بسلطنة عُمان، وله حضور في الشعر الفصيح، وسبق أن حقق المركز الثاني في مسابقة جمعية الكتّاب والأدباء بفرع ظفار عام 2020 عن قصيدته «قاطرة كورونا»، وهو ما يعكس جانبًا من تجربته في توظيف الشعر للتفاعل مع الأحداث الإنسانية والمجتمعية.

واستهل بكري قراءته بالنظر إلى «أيوب» بوصفها نصًا يتجاوز وصف حادثة سقوط طفل في بئر، إلى تصوير مأساة أم معلقة بين الخوف والرجاء، مشيرًا إلى أن الشاعر اختار أن يتحدث بصوت الأم المفجوعة، ليضع المتلقي داخل تجربتها النفسية بدل الاكتفاء برواية الحدث من خارجه.

ويتجلى ذلك منذ مطلع القصيدة، حين يقول جعبوب:

أيوب أمنية في البئر صارخة
                    لكنها أمل والقلب يعتصر

ويرى بكري أن القصيدة تقوم على ثنائيات متقابلة؛ الصراخ والأمنية، واليأس والأمل، وظلمة البئر والرجاء في الله، والليل المثقل بالحزن والفجر المنتظر، لتصبح الحادثة مدخلًا شعريًا إلى الصراع الإنساني بين الخوف من الفقد والتشبث بالأمل.

ويتسع المشهد في القصيدة من أم تنتظر ابنها إلى محيط إنساني يشاركها الدعاء، ولا سيما في قوله:

في كل زاوية في البيض ساجدة
                            لله ضارعة تدعو وتنكسر

وهنا تتحول ولاية البيض الجزائرية في القراءة النقدية إلى فضاء للدعاء والتضامن، فلم تعد المأساة محصورة في الأم وطفلها، بل أصبحت حالة إنسانية جامعة يتشارك فيها الآخرون الخوف والرجاء.

وتبرز صورة الأم بصورة أكثر كثافة حين يقول الشاعر:

والطير يحملني والجرح ينفجر

وهي صورة تعكس رغبة الأم في تجاوز المسافات والحواجز والوصول إلى طفلها، حتى وإن تجاوز ذلك حدود الممكن؛ فالعاطفة هنا تتحرك بمنطق الأمومة لا بمنطق المكان.

ويمنح جعبوب الدعاء والرجاء مساحة مركزية في القصيدة، فيقول:

في الله راجية أيوب مورقها
                        الشوق محتبس والدمع ينحدر

وفي هذا المقطع تتجاور صورة الطفل المرتبطة بالإيراق والحياة مع قسوة البئر التي وصفها الشاعر في موضع آخر بأنها «حاقدة»، في أنسنة للجماد تزيد حدة المواجهة بين الخوف والأمل.

ولا تنتهي القصيدة عند صورة البئر والعجز، بل تتجه نحو استشراف لحظة الفرح التي تتمناها الأم:

والدار ضاحكة والركن مبخرها
                        والأخ يحمله والأم تنعطر

ويقرأ بكري هذه الخاتمة باعتبارها انتقالًا من الواقع المقلق إلى الفرح المتخيل؛ إذ يستبق الشاعر النتيجة التي يتمناها، ويرسم مشهد عودة الطفل إلى أسرته، لتظل القصيدة معلقة بين الدعاء والبشرى المنتظرة.

وخلصت القراءة النقدية التي خصها الكاتب لجريدة الثقافة إلى أن جعبوب استطاع تحويل واقعة إنسانية مؤلمة إلى نص يتجاوز حدود المناسبة الآنية، من خلال التركيز على الأمومة والانتظار والخوف والإيمان والرجاء؛ وهي مشاعر إنسانية لا تتوقف عند زمان الحادثة أو مكانها.

وتكشف قصيدة «أيوب» جانبًا من اهتمام الشاعر العُماني مسعود محاد جعبوب بالشعر المتفاعل مع الأحداث والقضايا الإنسانية؛ حيث لا يتوقف النص عند سرد الواقعة، وإنما يعيد تشكيلها شعريًا من داخل التجربة الوجدانية للإنسان، لتصبح مأساة طفل في بئر صورة أوسع لانتظار أم لا تملك أمام العجز إلا الأمل والدعاء

هشام حسن نتو

مدير التحرير والعلاقات العامة بالصحيفة إعلامي ومحرر صحفي سعودي، يمتلك خبرة في إعداد الأخبار والتقارير الصحفية والمقالات، والتغطيات الإعلامية الميدانية للمناسبات الاجتماعية والفعاليات الرياضية والثقافية والمجتمعية في مكة المكرمة وجدة. ٠ يهتم بتطوير المحتوى الصحفي، وتعزيز جودة الصياغة والتحرير، وبناء العلاقات الإعلامية، وإبراز المبادرات والفعاليات المجتمعية من خلال تغطيات مهنية تراعي الدقة والمصداقية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى