كتاب الرأي

كتبتُ لهم أنشودة.. فكتبوا في ذاكرتي أجمل حكاية

          ✍️نجد الثبيتي – كاتبة سعودية :

ليست كل الكتابات تُولد من أجل النشر، فبعض النصوص تبدأ من لحظة عابرة، ثم تكبر في الذاكرة حتى تصبح حكاية كاملة؛ لأنها ارتبطت بفرحة إنسان، أو منحت أحدًا شعورًا بالحضور، أو جعلت كلمة صادقة تصل إلى قلب كان ينتظرها.
أثناء وجودي في المعهد السعودي للتدريب، اقتربت مني إحدى المتدربات، وبدأت تحدثني عن تجربتي في الكتابة بعدما وصلها أن لدي أكثر من جانب كتابي، وأن قلمي لا يلتزم لونًا واحدًا.
كان حديثها عفويًا، لكنني شعرت أن وراءه أمرًا مهمًا. أخذت تحدثني عن زوجها، الذي يعمل موظفًا في جمعية تُعنى بالأيتام في الرياض، وعن مجموعة من الشباب الذين يرغب في أن يمنحهم حضورًا مختلفًا على المسرح. كان يريد أن يتيح لهم فرصة الظهور أمام الجمهور، وأن يقدمهم بطريقة جميلة تليق بهم وبالمناسبة.
ثم قالت لي، بنبرة تحمل شيئًا من الرجاء: إن زوجها يرغب في أن يقدّم هؤلاء الشباب أنشودة ترحيبية، يعرّفون من خلالها بأنفسهم، ويشاركون في المناسبة بكلمات تعبّر عن حضورهم وانتمائهم.
أتذكر أنني أنصتُّ إليها باهتمام، وبدأت أتخيل المشهد أمامي: مجموعة من الشباب يقفون على خشبة المسرح، تتجه إليهم الأنظار، وتمنحهم الكلمات فرصة ليقولوا: نحن هنا، لنا حضورنا، ولنا ما يستحق أن يُسمع.
كان الطلب بسيطًا في ظاهره، لكنه حرّك في داخلي شعورًا عميقًا. شعرت أنني أملك شيئًا يمكن أن أقدمه لهم، وأن موهبتي قد تتحول إلى لحظة فرح وثقة في نفوسهم.

.في تلك اللحظة، انتابني شعور جميل بالعطاء.

لم أفكر في المقابل، ولم أسأل إن كان اسمي سيُذكر أو إن كانت الأنشودة ستُنسب إليّ. كل ما فكرت فيه هو أولئك الشباب، واللحظة التي سيقفون فيها على المسرح، وربما يشعرون للمرة الأولى بأن لهم مكانًا يليق بهم، وصوتًا يستحق أن يصل إلى الآخرين.
عدت إلى قلمي، لكنني لم أكتب هذه المرة من أجل فكرة أو مناسبة عابرة؛ كنت أكتب وأنا أستحضر وجوههم، وأتخيل خطواتهم على المسرح، وأفكر في الكلمات التي يمكن أن تمنحهم شعورًا بالترحيب والانتماء والثقة.

.وهنا بدأت الكتابة.

كتبت الأنشودة بروح مختلفة؛ أردتها بسيطة وقريبة منهم، تحمل معنى الترحيب، وتمنحهم مساحة جميلة ليقدموا أنفسهم أمام الجمهور. كنت أكتب وأتخيلهم وهم يرددون الكلمات، وأشعر أن كل سطر أضعه على الورق قد يكون سببًا في ابتسامة، أو لحظة اعتزاز، أو شعور جميل يبقى معهم طويلًا.
في أثناء الكتابة، أدركت أن القلم قد يكون وسيلة للعطاء، وأن الكلمة حين تُكتب بصدق لا تبقى حبيسة الورق. قد تغادر الصفحة، وتصعد إلى المسرح، ثم تصل إلى قلوب أشخاص لم نلتقِ بهم، لكنها كُتبت من أجلهم.
لم تكن الأنشودة بالنسبة لي مجرد نص عابر، بل كانت تجربة إنسانية أكدت لي أن الموهبة لا تكتمل قيمتها حين نحتفظ بها لأنفسنا، وإنما حين تجد طريقها إلى الآخرين.
فالعطاء لا يكون دائمًا مالًا أو شيئًا ماديًا؛ قد يكون وقتًا، أو معرفة، أو فكرة، أو كلمة صادقة تمنح إنسانًا فرحة، أو ثقة، أو شعورًا بأنه محل تقدير.
ومنذ ذلك الموقف، بقيت الأنشودة قريبة من قلبي؛ لأنها لم تبدأ من رغبة في الظهور، ولم تكن بحثًا عن إشادة، بل بدأت من رغبة صادقة في أن أقدّم شيئًا يسعد أولئك الشباب، ويمنحهم حضورًا يليق بهم.
لقد كتبت أنشودة لمجموعة من الشباب أرادوا أن يظهروا على المسرح، لكنني في الحقيقة كنت أكتب لنفسي درسًا جديدًا في الحياة:

.أن أجمل ما في الكتابة ليس أن يُقال: من كتب؟
.بل أن يُقال: كم أسعدت هذه الكلمات قلبًا؟

وهكذا، تحولت الكلمات إلى فرحة، وتحولت الموهبة إلى عطاء، وبقيت تلك الأنشودة شاهدًا على أن القلم لا يكتب دائمًا من أجل صاحبه، بل قد يكتب من أجل أن يمنح الآخرين حضورًا وصوتًا ومساحة يستحقونها.
ولعل أجمل ما تعلمته من تلك التجربة أن الكتابة ليست مجرد موهبة نمتلكها، بل مسؤولية جميلة؛ فكلما استطعنا أن نصنع بها أثرًا طيبًا في حياة الآخرين، اكتملت قيمتها في أرواحنا قبل أن تصل إليهم.
فبعض الكلمات لا تنتهي حين نضع النقطة الأخيرة، بل تبدأ حياتها الحقيقية عندما تصل إلى قلبٍ كان ينتظرها.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى