
✍️ أحلام أحمد بكري – قاصة وكاتبة رأي :
حين يصبح إزعاج الآخرين وسيلة للحضور ويكون الكلام سهاماً موجهة إلى صدور الناس لجرح مشاعرهم ، و المواقف مسرحاً للصراع ، نكون على يقين حينها أن في المكان شخص يحمل النمط الاستفزازي..
ذلك النمط الذي يثير في النفس ضيقاً وغضباً وانفعالاً ، وكأنه يمتلك موهبةً غريبة في إشعال الحرائق حيثما يتواجد بالمكان..
ومن أجل تعريفها بدقة -الشخصية الاستفزازية- ذو نمطٌ سلوكي يتميز بميلٍ دائم ومقصود إلى إثارة الآخرين واستفزاز مشاعرهم ، سواء بالقول الصريح كالسخرية العلنية والتقليل من شأن الآخرين وقد تكون ملتويةً خفية كالتلميحات المسمومة والأسئلة المحرجة والتعليقات التي تحمل في طياتها الإهانة أو قد يكون الاستفزاز فعلي بالإيماء والنظرات والإشارات ، ويحدث منه كل ذلك بصورة مباشرة أو غير مباشرة..
الشخصية الاستفزازية ليست بالضرورة شخصية شريرة ، لكنها شخصية اعتادت أن تستمد شعورها بالقوة أو الأهمية من ردود أفعال الآخرين ، وقد لا يكون صاحبها مدركاً في كل مرة لحقيقة ما يفعله ، فقد يكون الاستفزاز عنده سلوكاً مكتسباً أو آلية دفاع أو طريقة خاطئة للتعبير عن ذاته..
الاستفزازية ليست قوةً في الشخصية ، بل هي في جوهرها ضعفٌ متخفٍّ في ثوب القوة..
الاستفزازي له (أهداف) فهو لا يكتفي بالتواجد في المكان ، بل يُحارب جاهداً إلى إحداث هزّة في نفس الطرف الآخر وردة فعلٍ عاطفية لديه ، سواء كانت هذه الردة غضباً أو انفعالاً أو حتى اضطراباً نفسياً من أجل السيطرة على مسار الموقف لصالحه..
والفرق بين الشخص الاستفزازي والشخص الصريح القوي فرقٌ كبير فالأول يهدف إلى الإيذاء والإحراج وإشعال الصراع ، أما الثاني فيسعى إلى إيصال رأيه بوضوح مع احترام الآخرين..
وجميعنا نسأل: لماذا يستفزّ الإنسان غيره وما الدافع من ذلك..!؟ لكن الإجابة عميقة جداً ، فخلف كل سلوك استفزازي (دوافع) نفسية متشابكة ، مثل البحث عن الاهتمام فيجد في إثارة الآخرين وسيلةً مضمونةً لجذب الأنظار إليه حتى وإن كانت هذه الأنظار محمّلةً بالغضب والاستنكار ، المهم عنده أن يكون محور الحديث ، لا أن يكون محبوباً..
وقد يكون الدافع من أجل إخفاء الشعور بالنقص العميق والدونية عبر التقليل من شأن الآخرين ، فيشعر بلحظةٍ زائفة من التفوق وهو يرى غيره ينفعل ويتأثر ، فهو يرفع نفسه بهدم غيره..
وقد يحدث الاستفزاز من أجل السيطرة على الموقف والشعور بلذةٍ خفية ، عندما يستطيع توجيه مسار الحديث وإرباك الطرف الآخر وجعله يدافع عن نفسه مراراً وتكراراً ، فهو يمارس نوعاً من القوة على حساب راحة الآخرين..
وقد يكون الدافع التنفيس عن الألم الداخلي ، بعض المستفزين يحملون في داخلهم جروحاً وإحباطاتٍ لم يجدوا لها متنفساً فيطلقونها على من حولهم بأسلوبٍ استفزازي ليشعُر الاخرين بالألم مثلهم..
وأحياناً الدافع البيئة التي نشأوا فيها ، فالشخص الذي نشأ في بيئةٍ يسودها السخرية والاستفزاز قد يتبنى هذا الأسلوب ويقلده دون وعيٍ منه ، معتبراً إياه طريقةً طبيعيةً في التعامل..
لا يولد الإنسان استفزازياً ، بل تصنعه ظروفه وتجاربه وبيئته وعوامل أسهمتْ في تشكيل شخصيته مثل:
(التنشئة الأسرية) الطفل الذي نشأ في بيئة يسودها العنف اللفظي والسخرية والانتقاد المستمر والتنمُّر ، يتعلم أن التواصل يعني الإيذاء وأن الكلام سلاحٌ لا جسر..
(الحرمان العاطفي) فقدان الحب والحنان في مراحل مبكرة من الحياة يترك فراغاً نفسياً يملؤه الشخص بأساليبَ غير صحية ومنها الاستفزاز ، بحثاً عن أي نوعٍ من التواصل ولو كان سلبياً..
(التجارب المؤلمة) التعرض للخيانة أو الإهانة أو الظلم قد يجعل الشخص يفقد ثقته بالآخرين فيتبنى درعاً استفزازياً يحميه من الانكشاف والضعف..
(الإدمان على ردود الفعل) بعض الأشخاص يكتشفون بالصدفة أو بالتجربة أن استفزاز الآخرين يمنحهم سلطةً واهتماماً ، فيتحول هذا السلوك إلى عادةٍ متجذرة..
(الفراغ الداخلي) غياب الأهداف والمعنى في الحياة يدفع بعض الأشخاص إلى ملء وقتهم بالصراعات والمشاحنات كوسيلةٍ لشغل الفراغ وإثبات الذات..
(ضعف الوعي بالذات) قد يجعل الإنسان عاجزًا عن ملاحظة أثر كلماته في الآخرين ، فيكرر السلوك نفسه دون مراجعة..
(الثقافة الاجتماعية) لها دور في تطبيع بعض أشكال الاستفزاز ، خصوصًا عندما تُقدَّم الوقاحة على أنها قوة ، والسخرية على أنها خفة ظل ، وإحراج الآخرين على أنه نوع من الذكاء..
(تأثير وسائل التواصل الاجتماعي) في عصرٍ أصبح فيه الصراع وسيلةً للشهرة ، تعلم كثيرون أن الاستفزاز قد يكون طريقاً سريعاً إلى الظهور والانتشار ، فبرزت هذه الظاهرة بشكلٍ مقلق..
وبعد كل هذا الحديث الكل سوف يسأل: كيف بالإمكان التعامل مع هذه الشخصية إذا وقعنا بين فكّيها ، وكيف نهرب من خربشة مخالبها..؟
الجواب من الدرجة الأولى يعتمد عليك أيها الضحية لأن التعامل مع الشخص الاستفزازي فنٌّ دقيق يحتاج إلى حكمةٍ وصبرٍ ووعيٍ عميق ، عليكَ ألاّ تدخل الحلبة وتستجيب للاستفزاز بمثله ، فتجد نفسك شريكاً في لعبةٍ لم تخترها ، وتذكر أن الشخص الاستفزازي يريد ردّ فعلك منك فلا تفرحهُ وتعطيه مرادهُ ، ثم احتفظ بهدوئك فالهدوء في وجه الاستفزاز هو أقوى ردٍّ يمكن أن تقدمه بينما الغضب وقود هذه الشخصية وحين لا تجد لهيباً تشتعل به تنطفئ نارها ، ضع حدوداً واضحة ، لا يعني الهدوء الاستسلام بل يعني الحسم بلطف ورد بقول: “لا” حين يلزم الأمر ، نحنُ لا نحتاج رد قاسٍ بل إلى حدود واضحة ، وعبّر عن رفضك للسلوك دون أن تهاجم الشخص ذاته وقُل له: “أسلوبك في الحديث يزعجني ، وأفضل أن نتحدث باحترام دون استخدام عبارات تستفز الطرف الآخر”..
اختر معاركك بحكمة فبعض المعارك لا تحتاج إلى انتصار بل تحتاج إلى تجاوز ، وليس كل موقف يستدعي الدفاع ، أحياناً يكون التجاهل أبلغ ردٍّ وأكثرها تأثيراً ، افهم ما وراء السلوك حاول بهدوء أن ترى الإنسان خلف القناع ، قد يكون هذا الاستفزاز صرخةً مكتومةً لألمٍ لم يجد من يسمعه ، هذا الفهم لا يبرر السلوك ، لكنه يخفف وطأته على نفسك ، لا تأخذه على محملٍ شخصي ، تذكر أن استفزاز الشخص لك لا يعني بالضرورة أنك المشكلة ، بل هو غالباً يعكس اضطراباً داخلياً يعيشه هو ، نحنُ نتعاطف نعم ولكن دون أن نسمح لأحد بتجاوز حدودنا ، أما إذا تكرر الفعل الاستفزازي منه وأصبح يُشكل ضرر نفسي عليك فتجنب التعامل معه وعدم الاحتكاك به وتجاهله ، أسلم لك..
في صراعات الحياة نحتاج إلى ثقافةٍ الحوار لا الاستفزاز ، الفهم لا المواجهة ، الرحمة لا الانتقام ، كُن من أولئك الذين يطفئون الحرائق ، ولا يشعلونها ، ويبنون الجسور ولا يحفرون الخنادق..
السلام الداخلي ليس ضعفاً ، بل أعظم قوةٍ يمتلكها الإنسان..
وقُل لكل مستفز مع ابتسامة هادئة:
“لن أسمح لك أن تجعل من هدوئي ساحةً لمعركتك”..
للتواصل : [email protected]



