«الخطاب الملكي.. ثبات النهج وعظمة المسيرة»

✍️ أروى مسلط العتيبي – كاتبة سعودية :
بعض الخطابات لا تقرأ بوصفها كلمات قيلت في مناسبة بل بوصفها مرآةً لوطنٍ كامل تستحضر تاريخه وتقرأ حاضره وتكشف ملامح مستقبله
وفي الخطاب الملكي الذي افتتحت به أعمال السنة الثالثة من الدورة التاسعة لمجلس الشورى والذي ألقاه ولي العهد الأمير محمد بن سلمان نيابةً عن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز
تجلت صورة وطنٍ يعرف جذوره جيدًا ويعرف إلى أين يمضي
خطاب لم يكن استعراضًا لما تحقق فحسب
بل قراءةً لمسيرة وطنٍ حافظ على ثوابته وهو يخطو بثقة نحو المستقبل
فمنذ نشأة الدولة السعودية ظل كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم أساسًا راسخًا لنهجها متمسكةً بالتوحيد والعدل
ومع امتداد ثلاثة قرون من الدولة السعودية تتأكد حقيقة أن عظمة الأوطان لا تقاس بما تصنعه في حاضرها وحده بل بما ترسخه من قيمٍ تحفظها للأجيال القادمة
ثلاثة قرون من الدولة السعودية ليست مجرد رقمٍ في صفحات التاريخ
بل ثلاثة قرون من الثبات والامتداد
ومن وطنٍ تتجذر هويته كلما امتد به الزمن ويزداد اعتزاز أبنائه بعقيدتهم وهويتهم الوطنية الراسخة
وفي قلب هذه المسيرة شرف عظيم اختص الله به هذه البلاد
فكانت خدمة الحرمين الشريفين وعمارتها ورعاية قاصديها جزءًا أصيلًا من إرث الدولة السعودية
وشرفًا تتوارثه قيادتها وأبناؤها وتؤديه باعتزازٍ يليق بمكانة أطهر البقاع
وهنا تكمن إحدى صور عظمة هذه البلاد
أنها لا تدخل المستقبل وهي تتخفف من ماضيها
بل تمضي إليه وهي تحمل إرثها معها
تحفظ أصلها وهي تطور حاضرها وتبني مستقبلها دون أن تحيد عن نهجها
وعندما أطلقت المملكة رؤية 2030
لم تكن أمامها سنوات من الانتظار حتى يأتي المستقبل
بل بدأت في صناعته
عشر سنوات حافلة من الرؤية
أثمرت عن بلوغ مؤشرات أداء برامج واستراتيجيات الرؤية 93% من مستهدفاتها
ونمو الصادرات غير النفطية بنسبة 155% مقارنة بعام 2016م
وارتفاع مساهمة القطاع الخاص في الاقتصاد إلى 51%
أرقام تختصر جانبًا من حكاية التحول
لكن خلف كل رقم حكاية أكبر
حكاية إنسانٍ سعودي كان أصل النجاح
ومواطنٍ ومواطنة أصبحا شريكين في صناعة هذا التحول
فالتنمية حين تضع الإنسان في قلبها لا تبني اقتصادًا فحسب بل تبني وطنًا أكثر قدرة على الاستمرار
ومن اقتصادٍ يعزز تنوعه إلى قطاعاتٍ واعدة تستقطب الاستثمارات
ومن شراكةٍ تتسع مع القطاع الخاص إلى موارد توجه نحو المجالات الأعلى أثرًا اقتصاديًا واجتماعيًا
تمضي المملكة في بناء اقتصادٍ لا ينظر إلى اليوم وحده بل يحسب حساب الغد ويحفظ للأجيال القادمة مكتسباتها وفرصها
وفي عالم تتغير فيه المعادلات بسرعة
أثبتت المملكة أن التخطيط للمستقبل لا يعني الجمود
بل يعني القدرة على التكيف
وأن قوة الاقتصاد لا تظهر في أوقات الرخاء وحدها بل تتجلى حين تتبدل الظروف وتشتد التحديات
لقد أكدت الأحداث التي يمر بها العالم أن أمن الطاقة واستقرار سلاسل الإمداد والقدرة على التعامل مع الأزمات لم تعد قضايا بعيدة عن حياة الشعوب
وهنا برزت المملكة بما تملكه من إمكانات وقدرات قادرة على المحافظة على استقرارها ومواصلة أولوياتها التنموية وتحويل المتغيرات إلى فرص تعزز مكانتها
وفي الوقت الذي تبني فيه المملكة اقتصادها
تبني كذلك موقعها في المستقبل التقني
فقد تقدمت عالميًا في مؤشرات الجاهزية الرقمية وتنمية الاتصالات والتقنية والأمن السيبراني
وتقدمت في نضج الحكومات الرقمية
واليوم تتجه بخطى واضحة نحو الذكاء الاصطناعي بعد أن سمي عام 2026م عام الذكاء الاصطناعي
في توجه يعكس طموح المملكة لأن تكون رائدة في تطوير تطبيقاته وحلوله واستثمارها في زيادة الإنتاجية وتحسين جودة الخدمات وبناء الكفاءات السعودية
ذلك هو المستقبل كما تراه المملكة
ليس مستقبلًا ننتظره بل مستقبلًا نصنع أدواته بأيدينا
لكن كل هذه المنجزات وكل هذا التحول لا يمكن أن يكون له معنى دون الأمن
فالأمن في المملكة ليس ملفًا منفصلًا عن التنمية بل هو المظلة التي تحميها
والاستقرار هو الأرض التي تنمو فوقها
ولهذا جاءت الإشارة إلى ما تمتلكه المملكة من قدرات بشرية وعسكرية عالية الكفاءة قادرة بحول الله على التصدي للتهديدات وردعها أيا كانت مصادرها
وفي الوقت ذاته تسير المملكة في طريق الدبلوماسية وخفض التصعيد
وتعمل مع شركائها على تعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي
فالقوة لا تعني غياب الحكمة
والحزم لا يتعارض مع السعي إلى السلام
وحين يتعلق الأمر بأمن الخليج فإن الموقف أكثر وضوحًا
فأمن دول مجلس التعاون واستقرارها كل لا يتجزأ
ومن هذا الإيمان يأتي العمل مع الأشقاء على صون الأمن الخليجي وتعزيز التعاون الاستراتيجي والتكامل الاقتصادي والمضي في العمل المشترك بما يخدم شعوب المنطقة
وفي سياق تعزيز استقرار المنطقة جاء إنشاء حلف مكة الدفاعي بين المملكة وتركيا وباكستان
امتدادًا لجهود التعاون في حماية الأمن والاستقرار وتنسيق الجهود في مواجهة التحديات التي تمس المنطقة
أما فلسطين
فحاضرة في الموقف السعودي بما يحمله من ثبات تجاه حقوق الشعب الفلسطيني
وقد أكد الخطاب استمرار المملكة في دعم حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة وفق المرجعيات الدولية
وهو موقف يرتبط برؤية المملكة للسلام والاستقرار ورفض استمرار المعاناة الإنسانية
وفي اليمن والسودان
يستمر حضور المملكة في دعم الاستقرار والحفاظ على مؤسسات الدول ووحدتها والعمل على تجنيب الشعوب ويلات الحرب والدمار
كل ذلك يكشف عن نهجٍ لا يرى قوة الدولة في حدودها وحدها بل في قدرتها على الإسهام في استقرار محيطها وحماية مصالحها والعمل مع شركائها بما يعزز الأمن والسلام
فالمملكة العربية السعودية تمثل قلب العالم العربي النابض وقائدة بوصلة العالم العربي
وتستشعر آمال وآلام العرب جميعًا
وتسعى بكل جهد لتحقيق وحدة الصف والتعاون والتكاتف في عالمنا العربي وتحقيق الأمن والسلم في العالم أجمع
ثم يعود الوطن إلى الإنسان
فهو الغاية التي من أجلها تبنى السياسات وترسم الخطط وترصد الموارد
التعليم والصحة في مقدمة الاهتمام
والاستثمار في رأس المال البشري مستمر
وفرص العمل تتسع
وجودة الحياة تتحسن
والقطاع العقاري يتطور
وتتعدد الخيارات أمام المواطنين
وتتواصل الجهود لرفع نسبة تملك المساكن ومعالجة التحديات
لأن الوطن الذي يريد أن يصنع مستقبلًا عظيمًا
لا يكتفي بأن يبني المدن
بل يبني الإنسان الذي يسكنها
ولا يكتفي بأن يرفع الناتج
بل يرفع جودة الحياة
ولا يكتفي بأن يحقق الإنجاز
بل يسأل عن أثره في حياة المواطن
وهكذا تتجمع أمامنا ملامح المملكة التي عكسها الخطاب
وطن ثابت في أصله
متجدد في أدواته
قوي في أمنه
طموح في اقتصاده
مستثمر في إنسانه
حاضر في محيطه
ومتطلع إلى المستقبل بثقة
وطن لا يختار بين أصالته وحداثته
لأنه يعرف أن الحداثة الحقيقية لا تعني التخلي عن الجذور
ولا يرى في التقدم خروجًا عن الهوية
بل يجعل من هويته أساسًا ينطلق منه إلى العالم
تلك هي عظمة بلادنا
أن يمضي التاريخ فيها إلى الأمام دون أن يفقد ذاكرته
وأن تتسع الرؤية دون أن تضيق الهوية
وأن تتغير الأدوات دون أن يتغير النهج
ثلاثة قرون من الدولة السعودية
واليوم وطن يقف على عتبة مستقبل مختلف
يحمل في يده تاريخًا عريقًا
وفي يده الأخرى رؤيةً تتطلع إلى ما هو أبعد
وبين اليدين إنسان سعودي يعرف أن له في هذه المسيرة نصيبًا من المسؤولية
كما له فيها نصيب من الفخر
فالمجد الذي تصنعه الأوطان لا يورث كاملًا
بل يستكمل جيلًا بعد جيل
وهكذا تمضي المملكة
يحرسها ثباتها
ويقودها طموحها
ويحملها أبناؤها
يبقى الأمن مظلةً لها
والاستقرار درعًا
والازدهار نهجًا
وطن يعرف أصله
ويثق بحاضره
ويصنع مستقبله
وطن عظيم
لأن عظمته لم تكن يومًا في ما يملكه فقط
بل في النهج الذي اختار أن يمضي به
وفي المجد الذي ما زال يكتبه.
للتواصل: [email protected]



