لا تجعل الإحسان ندمًا… من وقف معك وقت شدتك لا تستغل ثقته عندما تتغير الظروف
اتقِ الله في مالٍ لم يكن لك… أُعطي لك وقت حاجتك، فلا تحبس حق صاحبه وقت حاجته…

✍️ د. عصام بن عبدالقادر الرحالي – أكاديمي وكاتب سعودي :
أعطاك ماله حين احتجت إليه… فلا تحرمه منه حين يصبح هو في أمسّ الحاجة إليه
وأن صاحب المال قد يصبح اليوم أشد حاجة إليه، فلا يجوز أن يتحول الدين إلى تجاهل ومماطلة.
حين يتأخر سداد الدين… تذكّر أن حاجة صاحب المال قد تكون أشد اليوم..
حق الناس لا يسقط بالنسيان ولا بالصمت… والدين أمانة لا تحتمل المماطلة ..
من أشد صور الظلم أن يأخذ الإنسان مال غيره في وقت حاجته، ويعده بالسداد، ثم تمر الأيام والشهور والسنوات، ويتغير حال صاحب المال، ويصبح هو اليوم في أمسّ الحاجة إلى ماله، بينما يبقى المدين صامتًا، يؤجل، ويماطل، ويتجاهل الاتصالات والمطالبات وكأن المال أصبح ملكًا له.
تذكّر أيها المدين أن المال الذي أخذته لم يكن بالضرورة مالًا فائضًا عن حاجة صاحبه، وربما أعطاك إياه لأنه وثق بك، أو لأنه أراد مساعدتك، أو لأنه ظن أنك ستعيده في الموعد الذي وعدت به.
لا تجعل حاجة الأمس عذرًا لتنسى حق اليوم.
فقد تكون ظروفك عندما أخذت المال صعبة، ولكن ظروف صاحب المال اليوم قد تكون أصعب بكثير. وقد يكون ذلك المال الذي تماطل في إعادته هو اليوم ثمن علاج، أو نفقة أسرة، أو قسط منزل، أو التزامًا تجاريًا، أو دينًا آخر ينتظر صاحبه سداده.
والأخطر من تأخر السداد هو التجاهل.
أن يعلم المدين أن صاحب المال يطالبه بحقه، ثم لا يرد، ولا يوضح، ولا يعتذر، ولا يحدد موعدًا، ولا يحاول أن يسدد ولو جزءًا من الدين؛ فهذا ليس مجرد تأخير مالي، بل سلوك يحمّل الطرف الآخر أذى نفسيًا وماديًا فوق أصل المشكلة.
قال الله تعالى:
﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: 280].
فالمدين المعسر فعلًا له حق في المهلة، ولكن عليه أيضًا أن يكون صريحًا وأمينًا وواضحًا مع صاحب الحق، وأن يبادر إلى السداد متى استطاع.
أما من كان قادرًا على السداد ثم يؤخر حق الناس، أو يقدم مصالحه ورغباته على حقوقهم، فعليه أن يتذكر قول النبي ﷺ:
«مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ».
لا تقل: «إن شاء الله أسدد لاحقًا» وأنت تعلم أن صاحب المال ينتظر.
ولا تقل: «هو ليس بحاجة إلى المال»؛ فأنت لا تعلم ما في قلبه، ولا تعرف التزاماته، ولا ما طرأ على حياته.
ولا تقل: «كانت ظروفه أفضل عندما أعطاني»؛ فالظروف تتغير، وقد يكون من أعطاك بالأمس قادرًا، ثم أصبح اليوم محتاجًا، وربما أصبح أشد حاجة منك.
الدين أمانة، وليس مالًا منسيًا.
ومن أخذ مال الناس عليه أن يضع نفسه مكان صاحب المال:
ماذا لو كان هذا المال مالك؟
ماذا لو كنت أنت من ينتظر؟
ماذا لو كنت أنت الذي تحتاج إليه اليوم؟
ماذا لو كان تأخيره سببًا في أزمة لا يعلمها إلا الله؟
لذلك، إذا كان عليك دين، فلا تنتظر أن يطالبك صاحبه كل مرة. بادر أنت بالسؤال، والاعتذار، والتوضيح، والسداد.
وإذا لم تستطع سداد الدين كاملًا، فابدأ بما تستطيع، واتفق مع صاحب الحق على جدول واضح، والتزم به. فالقليل المنتظم مع الصدق خير من وعود كثيرة لا تُنفذ.
وتذكر دائمًا:
من حفظ حقوق الناس حفظ الله له قدره بين الناس، ومن استهان بحقوقهم فقد يكتشف يومًا أن المال الذي كان يؤجله لم يكن مجرد رقم… بل كان حاجة إنسان، وطمأنينة أسرة، والتزامًا ينتظر الوفاء.
فلا تجعل من وثق بك يندم على ثقته، ولا تجعل من أحسن إليك في وقت حاجتك يعيش اليوم في الحاجة بسبب مماطلتك.
أعد الحقوق إلى أصحابها قبل أن تضطرهم حاجتهم إلى طرق أبواب لا يريدون طرقها، أو قبل أن تتحول المسألة من مطالبة ودية إلى خصومة وإجراءات لا يرغب فيها أحد.
فالوفاء بالدين ليس فضلًا على صاحبه؛ إنه حق له، وأمانة في ذمتك، وواجب عليك متى قدرت.
للتواصل : [email protected]



