كتاب الرأي

الشورى السعودية.. مسيرةٌ تتجاوز القرن (قراءة في مضامين الخطاب الملكي)

✍️د. سعيد بن عبدالله آل جفشر – كاتب رأي :

تابعت بكل فخر واعتزاز الخطاب الملكي الذي ألقاه صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، نيابةً عن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، في افتتاح أعمال السنة الثالثة من الدورة التاسعة لمجلس الشورى؛ خطابًا جمع بين رسوخ الدولة في تاريخها ومرجعيتها، وتجدد طموحاتها التنموية، وحزمها في صون أمنها ومكتسباتها.

ولهذه المناسبة بُعدٌ تاريخي يتجاوز أعمال دورة من دورات المجلس؛ فالشورى السعودية مسيرةٌ مؤسسية بدأت منذ أكثر من قرن، حين أنشأ الملك عبدالعزيز المجلس الشوري الأهلي في مكة المكرمة عام ١٣٤٣هـ/١٩٢٤م. ثم تطورت مع صدور التعليمات الأساسية للحكم عام ١٣٤٥هـ/١٩٢٦م، ونظام مجلس الشورى عام ١٣٤٦هـ/١٩٢٧م، وإعادة تنظيمه عام ١٣٤٧هـ/١٩٢٨م. وهي خطوات سبقت إعلان توحيد المملكة، وشهدت على حضور الشورى في بناء مؤسسات الدولة وتنظيم شؤونها.

واستمرت هذه التجربة في التطور؛ ففي عام ١٤١٢هـ/١٩٩٢م صدر نظام المجلس الجديد، وتكوّن المجلس بصيغته الحديثة عام ١٤١٤هـ/١٩٩٣م من رئيس وستين عضوًا، ثم اتسعت عضويته تدريجيًا إلى مائة وخمسين عضوًا إضافةً إلى الرئيس.

ومن هذا الامتداد المؤسسي يمكن قراءة الخطاب الملكي، الذي استهل مضامينه بالتأكيد أن الدولة السعودية تكمل في يوم التأسيس القادم ثلاثمائة عام منذ نشأتها، مستندةً في مراحلها إلى الكتاب والسنة، ومتمسكةً بالتوحيد والعدل. فاقتراب اكتمال ثلاثة قرون يستدعي تأمل قدرة الدولة على حفظ أسسها وقيمها، وتطوير أدواتها ومؤسساتها عبر التحولات، مع استمرار التزامها المتوارث بخدمة الحرمين الشريفين وعمارتهما ورعاية قاصديهما.

وفي الجانب التنموي، قدّم الخطاب حصيلة عشر سنوات من رؤية ٢٠٣٠، مشيرًا إلى تحقيق مؤشرات أداء برامجها وإستراتيجياتها ٩٣٪ من مستهدفاتها، ونمو الصادرات غير النفطية بنسبة ١٥٥٪ مقارنة بعام ٢٠١٦م، وارتفاع مساهمة القطاع الخاص في الاقتصاد إلى ٥١٪. وهي مؤشرات عرضها الخطاب ضمن مسار تنويع الاقتصاد وتوسيع قدراته، مقرونةً بتقدير أداء المواطنين والمواطنات وكفاءتهم بوصفهم أصل كل نجاح.

وأبرز الخطاب دور صندوقَي الاستثمارات العامة والتنمية الوطني في بناء اقتصاد تنافسي، بشراكة القطاع الخاص وتعزيز المحتوى المحلي والعوائد المستدامة، مع تقدم رقمي وتعديني وتوظيف للذكاء الاصطناعي يرفع الإنتاجية ويطور الخدمات والكفاءات. وهي توجهات تجمع بُعد التخطيط ومرونة الاستجابة، وتوجيه الموارد إلى الأعلى أثرًا، وصون الاستدامة المالية ومكتسبات الأجيال.

ويظل المواطن غاية التنمية؛ بتعليم وصحة أفضل، وقدرات وفرص عمل أوسع، وإصلاح عقاري يعزز خيارات السكن والتملك، ويحفظ الاستقرار المالي والاقتصادي؛ لتكون جودة الحياة مقياسًا للنجاح.

وأمنيًا، جمع الخطاب بين الدبلوماسية والحزم، مؤكدًا وحدة الأمن الخليجي وتعزيز التعاون والتكامل، ودور «حلف مكة الدفاعي» والتحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات في حماية الاستقرار والممرات البحرية، وإسهام المملكة في أمن الطاقة. وثبّت دعم حقوق الفلسطينيين ودولتهم وفق المرجعيات الدولية، والحكومة اليمنية في استعادة الاستقرار ومواجهة اعتداءات الحوثيين، ووحدة السودان ومؤسساته الشرعية.

ويمنح عرض هذه الأولويات أمام مجلس الشورى مسيرته التاريخية بُعدًا متجددًا، من خلال دوره في دراسة الأنظمة ومناقشة التقارير الحكومية والإسهام في تطوير السياسات العامة. وهكذا يجمع الخطاب بين أكثر من قرن من الشورى، وثلاثمائة عام تكتمل في يوم التأسيس القادم، وتحقيق ٩٣٪ من مستهدفات مؤشرات أداء برامج الرؤية وإستراتيجياتها؛ في مسيرةٍ راسخة الأسس، متجددة الطموح، قوامها الأمن وغايتها رفعة الوطن وجودة حياة المواطن.

إن قراءة الخطاب الملكي والوقوف عند أفكاره، والمنجزات التي تحققت، والسياسات التي رُسمت، تتجاوز حدود مقال صحفي؛ فهو يستحق بحثًا علميًا يتناول تفاصيله ودلالاته، بوصفها إضاءات في تاريخ دولة تقود الأمتين العربية والإسلامية، بل والإنسانية، نحو العلم والمعرفة والعز والوحدة والسلام.

حفظ الله قيادتنا الرشيدة، وأيّدهم الله بنصره، وأدام على بلادنا عزّها وأمنها وازدهارها.

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى