خطاب يرسم ملامح وطن يمضي بثقة نحو المستقبل

✍️ العميد .م. ندى الخمعلي – كاتب سعودي :
جاء الخطاب الملكي السنوي الذي ألقاه صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، نيابة عن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، في افتتاح أعمال السنة الثالثة من الدورة التاسعة لمجلس الشورى، حاملاً مضامين شاملة ترسم صورة واضحة لمسيرة المملكة في حاضرها ومستقبلها، وتؤكد أن الإنجاز الوطني لم يعد مجرد طموح، بل أصبح واقعاً تقيسه المؤشرات والأرقام وتشهد به التحولات التي تعيشها البلاد.
وفي مستهل الخطاب برز البعد التاريخي للمملكة، وهي تستعد لإكمال ثلاثة قرون منذ نشأتها، مؤكداً أن الدولة قامت عبر مراحلها على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وعلى التوحيد والعدل، مع المحافظة على إرثها وقيمها الأصيلة، وخدمة الحرمين الشريفين ورعاية قاصديهما، وهي مسؤولية تحملها المملكة جيلاً بعد جيل.
وكان المواطن والمواطنة حاضرين في قلب الخطاب، باعتبارهما أساس النجاح وشريكاً رئيسياً في مسيرة البناء. وبعد عشر سنوات من إطلاق رؤية السعودية 2030، أشار الخطاب إلى أن مؤشرات الأداء لبرامج واستراتيجيات الرؤية حققت 93% من مستهدفاتها، فيما ارتفعت الصادرات غير النفطية بنسبة 155% مقارنة بعام 2016، وبلغت مساهمة القطاع الخاص في الاقتصاد 51%.
وهذه الأرقام تعكس، في مضمون الخطاب، انتقال الاقتصاد السعودي إلى مرحلة أكثر تنوعاً، تقوم على تمكين القطاعات الواعدة وتعزيز المحتوى المحلي وتوسيع مشاركة القطاع الخاص، بالتوازي مع استراتيجية صندوق الاستثمارات العامة للسنوات الخمس المقبلة، وبما يدعم بناء منظومات اقتصادية محلية ذات قدرة تنافسية وعوائد مستدامة.
ولم يكن الاقتصاد وحده محور الحديث، فقد احتلت التقنية والذكاء الاصطناعي مساحة مهمة، إذ أكد الخطاب تقدم المملكة في عدد من المؤشرات الرقمية، وإطلاق عام 2026 عاماً للذكاء الاصطناعي، في توجه يستهدف تطوير التطبيقات والحلول الذكية ورفع الإنتاجية وتحسين الخدمات وتأهيل الكفاءات الوطنية.
أما الرسالة الأهم التي حملها الخطاب في قراءة واقع المنطقة، فهي أن التخطيط للمستقبل لا يعني الجمود أمام المتغيرات، بل القدرة على التكيف معها وتحويل التحديات إلى فرص. وهو ما ربطه الخطاب بمرونة الاقتصاد الوطني ونضج مؤسسات الدولة وتنوع مصادر القوة الاقتصادية والقدرة على المحافظة على استدامة التنمية.
وفي الجانب الأمني، أكد الخطاب امتلاك المملكة قدرات بشرية وعسكرية عالية الكفاءة قادرة على التصدي للتهديدات وردعها، مع التأكيد في الوقت ذاته على أن المملكة تعمل على خفض التصعيد ودعم الحلول الدبلوماسية، دون تهاون في حماية أمنها، وأنها لن تتردد في الرد الحازم على أي تهديد أو اعتداء يستهدفها.
كما حمل الخطاب رسالة واضحة بشأن أمن الخليج، باعتبار أمن دول مجلس التعاون واستقرارها منظومة واحدة، مع التأكيد على التعاون الاستراتيجي والتكامل الاقتصادي بين دول المجلس. وتطرق كذلك إلى إنشاء حلف مكة الدفاعي بين المملكة وتركيا وباكستان، وإلى التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات، في سياق الجهود التي أشار إليها الخطاب لتعزيز أمن المنطقة وحماية الممرات البحرية والمصالح المشتركة.
وفي الملف الفلسطيني، جدد الخطاب التأكيد على موقف المملكة الداعم لحقوق الشعب الفلسطيني، وعلى استمرار الجهود للوصول إلى حل سياسي دائم يفضي إلى قيام الدولة الفلسطينية وفق المرجعيات الدولية. كما أكد في الشأن اليمني دعم المملكة للحكومة اليمنية الشرعية وبسط سلطتها على كامل البلاد واستعادة الاستقرار، والتصدي لاعتداءات الحوثيين، فيما شدد على موقف المملكة الداعم لوحدة السودان واستقراره والمحافظة على مؤسساته الشرعية .
إن قراءة الخطاب بمجمله تكشف عن رؤية متكاملة: دولة تستند إلى تاريخها وهويتها، وتبني اقتصادها على التنوع والاستثمار، وتستثمر في الإنسان والتقنية، وتتعامل مع المتغيرات الإقليمية والدولية بمنهج يجمع بين الدبلوماسية وحماية المصالح الوطنية.
واللافت أن الخطاب لم يقدم التنمية والأمن والسياسة الخارجية كمسارات منفصلة، بل وضعها ضمن منظومة واحدة عنوانها بناء دولة أكثر قدرة على مواجهة المتغيرات، وأكثر استعداداً للمستقبل، وأكثر ارتباطاً بمواطنيها وشراكتهم في صناعة الإنجاز.
ومن هنا يمكن القول إن كلمة ولي العهد أمام مجلس الشورى لم تكن مجرد عرض لما تحقق، بل كانت أيضاً قراءة للمرحلة المقبلة؛ مرحلة تتطلب استمرار العمل، ورفع كفاءة الأداء، وتعظيم دور الإنسان السعودي، والاستفادة من الاقتصاد الجديد والتقنيات الحديثة، مع المحافظة على الثوابت الوطنية والأمن والاستقرار.
إنها رسالة تختصرها معادلة واضحة: ثوابت راسخة، وإنجازات متسارعة، واقتصاد متنوع، وتقنية متقدمة، وأمن مصان، وطموح لا يتوقف.
للتواصل : [email protected]



