حين يصبح الرحيل محكمة

✍️ عبدالخالق الزهراني – كاتب رأي :
غريب ما تفعله بنا النهايات.
ما إن يغادر أحدهم مكاناً اعتدنا وجوده فيه، حتى ننقسم من حوله، فريق يستحضر أجمل ما فيه، وآخر يفتح دفاتر أخطائه، وكأن الرحيل محكمة أخيرة، لا بد أن يخرج منها الإنسان إما بطلاً أو مذنباً.
مع أن الحقيقة غالباً لا تسكن في أحد الطرفين.
فقد يغادر الإنسان مكاناً دون أن يكون بطلاً كما يصفه محبوه، ودون أن يكون سيئاً كما يصوره خصومه.
قد نختلف معه، ولا نقتنع بما قدمه، ونرى أن سنواته كان يمكن أن تكون أكثر أثراً. وربما نشعر بشيء من الارتياح لانتهاء مرحلته، وهذا شعور لا يحتاج منا إلى ادعاء غيره.
لكن ثمة فرقاً بين أن نختلف مع تجربة إنسان، وأن نجعل نهايتها موسماً للتشفي فيه.
فالمنصب ينتهي، والمكتب يستقبل اسماً آخر، والكرسي لا يحتفظ بأحد، أما الإنسان فيغادر حاملاً معه ما يكفيه من تلك السنوات.
ولهذا، ربما يكون أجمل ما نملكه عند النهايات هو الإنصاف.
ألا نصنع من الراحل أسطورة لم يكنها، ولا نجرده من كل حسنة لأنه لم يكن كما أردناه. أن نقول عن التجربة ما تستحقه حين يكون الحديث عنها ضرورياً، ثم نترك للإنسان حقه في أن يغادر بكرامته.
فالستر لا يعني تزوير الحقيقة، والصمت لا يعني الموافقة، والدعاء للإنسان بالخير لا يمحو أخطاءه.
لكن للراحل أيضاً نصيب من الحكاية.
كن طيباً مع من تزامل، لا لأنك تريد منهم حديثاً جميلاً بعد رحيلك، وإنما لأن الأثر لا تصنعه الكلمات التي نقولها عن أنفسنا، بل المواقف التي يتذكرها الآخرون عنا.
ولا تكن جداراً قصيراً حتى يقال إنك متواضع، ولا مهرجاً يوزع الكلمات والابتسامات، ثم تخذل أفعاله كل ما يقوله.
فالطيبة ليست ادعاء، وليست دوراً نؤديه أمام الآخرين.
كن إنساناً بمعنى الكلمة، إذا قلت فعلت، وإذا استطعت أعنت، وإذا اختلفت لم تؤذ، وإذا امتلكت سلطة لم تجعلها سلاحاً على من هم دونك.
فالناس قد تنسى حديثك الجميل، لكنها تتذكر جيداً أين كنت حين احتاجت إلى موقف.
وربما هنا نفهم شيئاً آخر عن لحظات الرحيل، فهي لا تكشف الراحل وحده، بل تكشف الذين بقوا أيضاً.
حين يصبح الإنسان بعيداً عن منصبه، ولا يملك أن يمنح أو يمنع، تظهر حقيقة ما في النفوس، وفاء كان صادقاً، ومجاملة انتهت بانتهاء المصلحة، وخصومة كانت تنتظر فقط أن يصبح ظهره للباب.
ولهذا، ربما لا يكون السؤال بعد رحيله
ماذا كان يفعل؟
بقدر ما يكون
ماذا فعلنا نحن حين أصبح ظهره للباب؟
قد لا نحزن على انتهاء بعض التجارب، وقد يكون في انتهائها شيء من الراحة، ولا بأس أن نعترف بذلك بيننا وبين أنفسنا.
لكننا لسنا مضطرين، كي نفرح بانتهاء مرحلة، أن نفرح بانكسار إنسان.
كما أننا لسنا مضطرين، احتراماً للحظة الوداع، أن نصنع تاريخاً جميلاً لم يكن موجوداً.
بعض النهايات لا تحتاج مديحاً، ولا تحتاج شماتة.
تحتاج فقط شيئاً من الإنصاف، وكثيراً من الستر.
فلا تنتظر لحظة الوداع لتكتشف صورتك في عيون الآخرين، ولا تنتظر رحيل أحد لتقول كل ما أخفيته عنه.
فالنهايات لا تصنع الأثر، إنها فقط تكشفه.
ثم نمضي.
فما أكثر الأبواب التي نقف اليوم أمامها مودعين، ولا ندري أمام أي باب سنقف غداً ونحن الراحلون.
وحين يأتي ذلك اليوم، لن يكون السؤال الأهم ماذا كانوا يقولون عنا ونحن بينهم؟
وإنما
ماذا بقي منا بعدما رحلنا؟
ولعل من أجمل ما نتعلمه من النهايات، أن نترك للراحل طريقه، ونحتفظ لأنفسنا بما لا يحتاج أن يُقال، فليس كل صمت نسياناً، ولا كل وداع نهاية لما كان.
والله يستر علينا وعليه.
للتواصل : [email protected]



