كتاب الرأي

السياحة… حين يتحول السفر إلى تجربة ويصبح المكان قصة

       ✍️م.د. حليمة عسيري – كاتبة سعودية :

في اليوم العالمي للسياحة، لا أرى السياحة مجرد انتقال من مدينة إلى أخرى، ولا أختصرها في زيارة معلم أو التقاط صورة تذكارية.

السياحة في مفهومها الأعمق هي تجربة إنسانية متكاملة؛ تجربة تفتح للإنسان أبوابًا جديدة للمعرفة، وتجعله يلتقي بثقافات مختلفة، ويكتشف الطبيعة، ويقرأ التاريخ، ويعيش المغامرة، ويتذوق هوية المكان.

ولهذا أصبحت السياحة اليوم واحدة من القطاعات المؤثرة في التنمية، لما تخلقه من فرص اقتصادية واجتماعية وثقافية، وما تمنحه للمجتمعات من مساحة لتقديم هويتها للعالم.

السياحة ليست نوعًا واحدًا

عندما نتحدث عن السياحة، فنحن نتحدث عن عالم واسع من الأنماط والتجارب.

هناك السياحة الدينية التي ترتبط بالمواقع المقدسة والرحلات الروحية، والسياحة الثقافية والتاريخية والتراثية التي تأخذ الزائر إلى ذاكرة الشعوب وحضاراتها.

وهناك السياحة الطبيعية والبيئية، حيث الجبال والوديان والمحميات والشواطئ والصحارى والحياة الفطرية.

وهناك سياحة المغامرات؛ من الهايكنج وتسلق الجبال والصخور، إلى استكشاف الكهوف، والتخييم، والرحلات البرية، والغوص والسباحة والرياضات المائية، والأنشطة الجوية والرحلات البحرية.

وهناك السياحة الرياضية، والسياحة العلاجية والاستشفائية، وسياحة العافية، وسياحة الأعمال والمؤتمرات والمعارض، والسياحة التعليمية، وسياحة الفنون والمتاحف والفعاليات والمهرجانات والتسوق.

وهناك أيضًا عالم آخر لا يقل أهمية…

السياحة الطهوية.

عندما تصبح المائدة جزءًا من الرحلة

قد يذهب السائح إلى مكان من أجل طبق.

وقد يزور سوقًا شعبيًا لاكتشاف منتجاته.

وقد يدخل مطعمًا ليتعرف على أطباق المنطقة.

وقد يشارك مجتمعًا محليًا إعداد وصفة تراثية.

وقد يزور مزرعة ليتعرف على المنتجات التي صنعت منها أطباق المكان.

هنا لا يعود الطعام مجرد وجبة.

بل يصبح وسيلة لفهم المجتمع.

فالطبق يحمل قصة، والمكوّن يحمل علاقة بالأرض، وطريقة الطهي تعكس العادات، والمائدة تكشف جانبًا من ثقافة المجتمع وكرم ضيافته.

ولهذا أؤمن بأن السياحة الطهوية ليست مجرد إضافة إلى القطاع السياحي، بل يمكن أن تكون أداة للتعريف بالهوية الثقافية، وتمكين المجتمعات المحلية، ودعم المنتجات المحلية، وحفظ الموروث الغذائي.

المملكة العربية السعودية… وجهة متعددة التجارب

تمتلك المملكة مقومات تجعلها قادرة على تقديم تجربة سياحية متنوعة بصورة استثنائية.

من السياحة الدينية ومكانة مكة المكرمة والمدينة المنورة، إلى المواقع التاريخية والتراثية، والقرى والبلدات القديمة، والجبال والمسارات، والصحارى، والسواحل والجزر، والمحميات، والتنوع الجيولوجي، والفعاليات والمهرجانات، والتجارب الرياضية والترفيهية.

وإلى جانب ذلك كله، هناك مطبخ سعودي متنوع بتنوع مناطق المملكة؛ يحمل أسماء أطباق، وأساليب إعداد، ومكونات، وقصصًا مختلفة من منطقة إلى أخرى.

وهنا تكمن فرصة كبيرة:

أن لا نقدم للسائح المكان فقط، بل نقدم له تجربة متكاملة يعيش فيها المملكة بحواسه كلها.

يرى المكان.

يسمع قصته.

يمشي في مساراته.

يكتشف طبيعته.

يلتقي بأهله.

ويجلس في النهاية إلى مائدة يتذوق من خلالها جزءًا من هوية هذا المكان.

دور المرشد السياحي في صناعة التجربة

المرشد السياحي في رأيي ليس مجرد شخص يحفظ المعلومات ويقدمها للزائر.

المرشد الحقيقي يصنع علاقة بين الإنسان والمكان.

هو الذي يحول المعلومة إلى قصة، والموقع إلى تجربة، والتاريخ إلى شيء يمكن للزائر أن يشعر به ويفهمه.

ومن هنا تأتي أهمية تطوير الكفاءات السياحية؛ فالقطاع يحتاج إلى مرشدين يمتلكون المعرفة، والمهارة، والقدرة على التواصل، وفهم الثقافات المختلفة، وصناعة التجارب، وربط عناصر الوجهة ببعضها.

فالمرشد الذي يعرف التاريخ يستطيع أن يروي القصة، والمرشد الذي يفهم الثقافة يستطيع أن يشرح معناها، والمرشد الذي يعرف الطعام يستطيع أن يفتح للزائر بابًا آخر إلى هوية المكان.

السياحة مسؤولية قبل أن تكون رحلة

نحن لا نحتاج فقط إلى المزيد من الزوار، بل نحتاج إلى تجارب ذات قيمة.

تجارب تحافظ على البيئة، وتحترم الثقافة، وتدعم المجتمعات المحلية، وتحمي التراث، وتخلق فرصًا اقتصادية حقيقية، وتترك أثرًا إيجابيًا في الزائر والمكان معًا.

فنجاح السياحة لا يقاس فقط بعدد من وصلوا إلى الوجهة، وإنما بما عاد به الزائر من معرفة وذكريات وانطباع وتجربة، وبما تركه وجوده من أثر إيجابي.

وفي اليوم العالمي للسياحة، أؤمن أن مستقبل السياحة لن يكون في تقديم الأماكن فقط، بل في صناعة التجارب التي تجعل الناس يشعرون بقيمة المكان.

نحن لا نريد أن نقول للعالم فقط:

تعالوا إلى السعودية.

بل نريد أن نقول:

تعالوا لتعيشوا السعودية.

عيشوا تاريخها، وثقافتها، وطبيعتها، ومغامراتها، وفنونها، وفعالياتها، وضيافتها، ومطابخها.

فالسياحة في جوهرها ليست مجرد سفر من مكان إلى مكان…

إنها انتقال من تجربة إلى تجربة، ومن ثقافة إلى ثقافة، ومن معرفة إلى معرفة.

وفي كل رحلة ناجحة، لا يعود السائح بالصور وحدها…

بل يعود بقصة.

وهذه هي السياحة التي تستحق أن نبني لها مستقبلًا.

كل عام والسياحة جسرٌ بين الشعوب، ومحركٌ للتنمية، ومساحةٌ لاكتشاف العالم، ووسيلةٌ لحفظ الهوية وصناعة الأثر.

🇸🇦 وكل عام والمملكة العربية السعودية تمضي بثقة نحو مستقبل سياحي يجعل من تنوعها الثقافي والجغرافي والإنساني تجربة عالمية تُعاش وتُروى.

للتواصل : [email protected] .

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى