حين يخيب ظن الكاتب بالنادي الثقافي

✍️ريم منصور سلطان – كاتبة سعودية :
يدخل الكاتب إلى النادي الثقافي وهو يحمل شيئًا أكبر من بطاقة عضوية، فهو يدخل وهو يظن أنه يدخل إلى مساحة تشبهه، إلى مكانٍ يُقدر الكلمة، ويرى في الكتاب مشروعًا، وفي الكاتب إنسانًا يحتاج إلى من يسانده في رحلته الطويلة مع الحرف.
يدفع رسوم العضوية، ويلتزم بما يترتب عليه، ويحضر حين يُدعى، ويشارك حين يُطلب منه، ويمنح النادي من وقته وجهده وحضوره، وربما يدافع عن فكرته، ويمثل النادي في مناسباته، ويكون جزءًا من حراكه الثقافي.
لكن ماذا يحدث حين تأتي اللحظة التي يحتاج فيها الكاتب إلى النادي؟ حين يصدر كتابه. حين يقيم حفل توقيع، حين يقف أمام مشروعٍ حمله شهورًا أو سنوات، وأنفق عليه من ماله ووقته وطاقته، وإنتظر أن يرى شيئًا من ذلك الإنتماء الذي طالما منحه للمؤسسة.
ثم يلتفت حول فلا يجد النادي لا حضورًا، ولا مشاركة، ولا حتى كلمة تقدير،هنا لا يكون السؤال عن قيمة الدعوة أو عدد الصور التي كان يمكن التقاطها، وإنما عن معنى العضوية نفسها.
إذا كان الكاتب يدفع للنادي، فماذا يقدم النادي للكاتب؟
السؤال قد يبدو مباشرًا، وربما يراه البعض قاسيًا، لكنه في الحقيقة سؤال عن معنى المؤسسات الثقافية ودورها.
فالعضوية ليست مجرد مبلغ يُدفع، ولا بطاقة تُحمل في المحفظة، ولا إسم يُضاف إلى السيرة الذاتية، في إعتقادي العضوية في معناها الأعمق علاقة متبادلة بين الفرد والمؤسسة.
صحيح أن الكاتب مسؤول عن مشروعه، وليس من حقه أن يطالب أي مؤسسة بأن تصنع له نجاحه، لكنه، في المقابل، من حقه أن يتساءل عن القيمة التي يحصل عليها من مؤسسة إختار أن ينتمي إليها ويدفع لها، خصوصًا عندما تكون هذه المؤسسة ترفع شعار دعم المبدعين والكتّاب ،فلا أحد يطلب من النادي أن يشتري كتاب الكاتب، أو أن يضمن له عددًا من القراء، أو أن يحول كل مناسبة شخصية إلى فعالية رسمية.
لكن هل الحضور في حفل توقيع عضو من أعضائه أمر كثير؟هل التهنئة بإصدار كتاب جديد عبء؟ هل مشاركة الخبر عبر منصاته، أو إرسال وفد، أو حتى حضور أحد المسؤولين بإسم النادي، يمكن أن يكون رسالة بسيطة تقول للكاتب:
نحن نراك… ونقدّر ما أنجزت.
ربما تكون هذه التفاصيل صغيرة في نظر المؤسسة، لكنها ليست صغيرة في عين الكاتب، فالكتاب بالنسبة إلى صاحبه ليس مجرد منتج يوضع على رف، إنه وقتٌ مسروق من الحياة، وليالٍ طويلة من الكتابة، ومسودات حُذفت، وأفكار نضجت ببطء، وقلقٌ صاحب الكاتب حتى لحظة صدور الكتاب،وحين يصل إلى لحظة التوقيع، فإنه لا يحتفل بكتاب فقط، بل يحتفل بإنتصاره الصغير على كل ما كاد يجعله يتوقف.
ولهذا فإن غياب المؤسسة التي ينتمي إليها عن هذه اللحظة قد يترك في داخله سؤالًا أكبر من الغياب نفسه:
إذا لم نجدكم حين ننجز، فمتى نجدكم؟ المشكلة ليست في أن النادي لم يحضر مناسبة واحدة،المشكلة في الإحساس بأن العلاقة أصبحت في اتجاه واحد، الكاتب يدفع، ويحضر، ويشارك، ويدعم، ويمنح من وقته، بينما حين يحتاج إلى موقف بسيط من المؤسسة، يجد الأبواب أكثر برودة مما توقع.
وهنا تفقد العضوية شيئًا من معناها، فالمؤسسة الثقافية التي تطلب من الكاتب أن يكون عضوًا فاعلًا، ينبغي أن تسأل نفسها أيضًا: كيف نكون نحن أعضاء فاعلين في حياة الكاتب؟ ربما يكون الجواب في أشياء بسيطة جدًا.
أن يحتفي النادي بإصدارات أعضائه، أن يعلن عن كتبهم، أن يخصص مساحة لهم في منصاته، أن ينظم لقاءات توقيع.
أن يربط الكاتب بالقراء، أن يفتح له أبوابًا ثقافية حقيقية،أن يسأل عن مشروعه القادم، لا عن رسوم عضويته القادمة فقط، فالكاتب لا يريد بالضرورة إمتيازًا خاصًا، إنه يريد أن يشعر أن إنتماءه له معنى.
يريد أن يعرف أن المبلغ الذي دفعه لم يكن ثمن بطاقة، وأن مشاركاته لم تكن مجرد إستكمال عدد، وأن إسمه في سجل الأعضاء ليس رقمًا يمكن إستدعاؤه عند الحاجة إلى الحضور.
إنه يريد علاقة ثقافية حقيقية، وهنا ينبغي أيضًا أن نكون منصفين، ليست كل الأندية الثقافية سواء، وليست كل المؤسسات تملك الإمكانات نفسها، وقد تكون هناك ظروف تنظيمية أو مالية أو إدارية تمنع حضورها أو دعمها لبعض المشاريع،كما أن النادي ليس مسؤولًا عن كل تفاصيل حياة أعضائه.
لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح غياب الدعم هو القاعدة، بينما تُطلب العضوية والرسوم والحضور بوصفها واجبًا دائمًا على الكاتب، عندها يصبح من المشروع أن يسأل الكاتب نفسه:
ما الذي أحصل عليه من هذه العضوية؟
ليس السؤال طمعًا في منفعة شخصية، بل محاولة لفهم العلاقة، فالكاتب يحتاج إلى مؤسسة تضيف إلى تجربته، لا مؤسسة يضيف هو إليها فقط، يحتاج إلى بيئة يشعر فيها أن عضويته ليست مجرد التزام مالي، وإنما إنتماء إلى مشروع ثقافي يؤمن به ويؤمن به.
والمؤسسة الثقافية بدورها تحتاج إلى الكاتب، إلى أفكاره، ونصوصه، وحضوره، وجمهوره، وإلى الطاقة الإبداعية التي يحملها، فالعلاقة الصحية بين الطرفين لا تقوم على الأخذ وحده، بل على التبادل.
أنت تدفع عضويتك، ونحن ندفعك إلى الأمام، ربما تكون هذه أبسط معادلة يمكن أن تقوم عليها العلاقة،فالكاتب لا يحتاج دائمًا إلى المال، أحيانًا يحتاج إلى أن يجد من يقول له:
(نحن معك)، وقد تكون هذه الجملة، في لحظة معينة، أثمن من كل أشكال الدعم، وحين يخرج الكاتب من حفل توقيع كتابه، ويلتفت فلا يجد المؤسسة التي ينتمي إليها، قد لا يغضب من عدم حضورها بقدر ما يشعر بخيبة السؤال الذي تركه الغياب وراءه:
هل كنت عضوًا في النادي فعلًا، أم كنت فقط دافعًا لرسوم العضوية؟ وهنا لا ينبغي أن تكون الإجابة مسؤولية الكاتب وحده، إنها مسؤولية المؤسسة أيضًا، فالأندية الثقافية لا تُقاس فقط بعدد أعضائها، ولا بعدد فعالياتها، ولا بعدد الصور المنشورة في منصاتها، إنما بما تتركه في حياة أولئك الذين اختاروا أن يكونوا جزءًا منها.
فالكاتب يستطيع أن يقيم حفل توقيعه دون النادي، ويستطيع أن ينشر كتابه دون النادي، ويستطيع أن يواصل طريقه حتى لو لم يحضر أحد، لكن المؤسسات الثقافية وُجدت، في جوهرها، لكي تجعل الطريق أقل وحدة، والفرصة أوسع، والصوت أكثر وصولًا،ولعل أجمل ما يمكن أن تقدمه المؤسسة للكاتب ليس أن تقول له: أنت عضو لدينا، ولكن أن تجعله يشعر:
أنك حين أنجزت، وجدنا أنفسنا إلى جوارك، فالثقافة ليست رسوم عضوية تُدفع، ولا بطاقات تُحمل، ولا أسماء تُسجل.
الثقافة علاقة، والعلاقة الحقيقية لا تظهر حين يحتاج الآخر إلينا، بل تظهر حين نحتاج نحن إلى أن نقف معه.
وربما آن للأندية الثقافية أن تعيد النظر في سؤال بسيط:
حين يدفع الكاتب ليكون جزءًا منا… ماذا نفعل نحن لنكون جزءًا من نجاحه؟
للتواصل : [email protected]




أحياناً لا يكتشف الكاتب حقيقة انتمائه للنادي حين ينضم إليه، بل حين يأتي دوره ليسأل نفسه هل هذه العلاقة كانت متبادلة فعلاً؟
فبعض الأندية تجيد استدعاء أعضائها حين تحتاج حضورهم، وتعرف كيف تطلب منهم المشاركة والدعم، لكنها لا تجيد بالقدر نفسه أن تكون حاضرة حين يكون للعضو إنجاز يستحق أن يرى.
والأشد إيلاماً حين تتحول بعض الأندية إلى أسماء كبيرة من الخارج، بينما في داخلها محاباة لا تفهم، وانتقائية في الاحتفاء، وأحياناً ممارسات يشعر معها البعض بالتمييز.
النادي الحقيقي لا يجمع الأعضاء حول اسمه فقط، إنما يجعل كل عضو يشعر أن له مكاناً فيه.
لأن الانتماء الذي يطلب منك دائماً، ولا تجده حين تحتاجه، يتحول مع الوقت من انتماء إلى استنزاف.
أحسنتِ أ. ريم في طرح سؤال يستحق أن تقف أمامه بعض الأندية طويلاً.