
✍️ خضرفتاح الثقفي-كاتب سعودي :
جذور العداء.. لماذا لم تنسَ فارس هزيمتها أمام العرب؟
الصراع بين العرب والفرس ليس صراع حدود أو نفوذ سياسي عابر، بل هو صراع هوية وحضارة يمتد لأكثر من 1500 عام، بدأ قبل الإسلام واستمر بعده بأشكال مختلفة.
*أولاً: في الجاهلية.. ذي قار أول كسر للهيبة الفارسية*
كانت الإمبراطورية الساسانية الفارسية ترى العرب مجرد قبائل بدوية على هامش إمبراطوريتها العظيمة، تدفع لهم الأتاوات وتستخدمهم كحرس حدود. وعندما حاول كسرى إذلال النعمان بن المنذر وقتله، غضبت قبائل العرب، فكانت معركة *ذي قار* سنة 609م.
في ذي قار قالت العرب للفرس لأول مرة: لا. وانتصر العرب وهم متفرقون على جيش كسرى المنظم. قال النبي صلى الله عليه وسلم يومها: “هذا أول يوم انتصر فيه العرب من العجم، وبي نصروا”. من هنا بدأ الجرح الفارسي.
*ثانياً: القادسية.. السقوط الكبير*
جاء الإسلام فحول القبائل المتفرقة إلى أمة. وعندما وصلت جيوش عمر بن الخطاب بقيادة سعد بن أبي وقاص إلى القادسية سنة 636م، لم تكن معركة عسكرية فقط، بل كانت سقوط إمبراطورية عمرها 400 سنة أمام جندٍ حفاة كانوا يرعون الإبل.
سقوط المدائن، عاصمة الأكاسرة، وأخذ تاج كسرى وسواريه، لم يمحَ من الذاكرة الفارسية. الفرس الذين كانوا يسمون أنفسهم سادة العالم، أصبحوا موالي عند العرب. وهنا تكونت عقدة تاريخية يسميها المؤرخون “عقدة القادسية”.
*ثالثاً: الشعوبية.. الانتقام بالثقافة*
عندما عجز الفرس عن المواجهة بالسيف، لجأوا إلى سلاح الثقافة والدين. ظهرت حركة *الشعوبية* في العصر العباسي، التي كانت ترفع شعار مساواة العجم بالعرب، لكن حقيقتها كانت تحقير العرب والقول بأن الفرس أفضل نسباً وحضارة.
من رحم الشعوبية خرجت حركات الباطنية، والقرامطة، والصفويون لاحقاً، الذين رفعوا شعار التشيع للطعن في الخلفاء العرب أبي بكر وعمر وعثمان، وهم رمز الفتح الإسلامي لفارس. لذلك تجد كتبهم إلى اليوم تركز على سب الصحابة الذين أسقطوا إمبراطورية فارس.
*رابعاً: إيران الصفوية والخنجر في الخاصرة*
سنة 1501م حول الشاه إسماعيل الصفوي إيران بالقوة من السنة إلى المذهب الشيعي الاثني عشري، ليس تديناً بل سياسة. ليصنع هوية منفصلة عن الدولة العثمانية السنية التي كانت تمثل العرب والمسلمين.
ومنذ ذلك اليوم، أصبحت إيران ترى نفسها وريثة كسرى بعمامة، تمد نفوذها في العراق ولبنان واليمن والبحرين تحت شعار نصرة المذهب، بينما الهدف الحقيقي هو استعادة مجال الإمبراطورية الساسانية.
وما ذكره العميد *نزار السامرائي* في برنامج الذاكرة السياسية يلخص هذه العقلية تماماً. عندما سألهم الضابط الإيراني الجامعي عن الاستعمار وقال لهم: “الاستعمار الحقيقي هو أن ترى والدتك تقرأ القرآن بالعربية، وتسمع الأذان بالعربية، وتذهب للحج إلى مكة.. العرب هم الاستعمار الحقيقي، فقد قام قوم من البدو المتخلفين بإسقاط إمبراطورية فارس العظيمة”.
هذه الجملة ليست رأي ضابط، بل هي عقيدة تدرس في مدارس قم.
عداء النظام الإيراني اليوم للعرب ليس بسبب سياسة أو حدود، بل هو امتداد لعداء تاريخي. إيران تنظر للعرب كمن أسقط مجدها، وللإسلام العربي كدين غريب جاء من الصحراء ليهدم حضارتها النارية.
لذلك قال الحكماء: من يضع يده بيد من يرى وجوده نفسه استعماراً، فهو يضع يده بيد من يتمنى زواله.
والتاريخ يشهد أن العرب إذا توحدوا كما في ذي قار والقادسية، لا تقف أمامهم إمبراطورية، وإذا تفرقوا دخلت عليهم فارس من كل باب.
للتواصل : [email protected]



