عزنا بوطنيتنا.. حين يتحول الانتماء إلى أثر

✍️أروى بنت مسلط العتيبي – كاتبة سعودية :
الوطنية ليست شعورًا عابرًا يرتبط بمناسبة ثم ينتهي بانتهائها
وليست شعارًا يرفع في لحظة احتفال ثم يخفت بعد انقضائها
بل هي حالة راسخة في وجدان الإنسان تبني هويته وتعزز انتماءه وتمنحه شعورًا عميقًا بأنه جزء من وطن له تاريخ وذاكرة ومسيرة
وفي المملكة العربية السعودية يتجسد هذا المعنى في وطنٍ ارتبط اسمه بالعلا والمجد وتكون وجدانه من حكاية وطنية ممتدة صنعتها الوحدة وأرسى دعائمها التوحيد واستمرت مسيرتها بالبناء والنهضة
وطن العلا والمجد
من تهامة إلى أجا وسلمى
حتى الحجاز إلى طويق نجد
موطني غربًا وشرقًا جنوبًا شمالًا
أنت موئل العز أنت هامة المجد
فالوطن ليس مجرد أرض يسكنها الإنسان بل ذاكرة تشكل وجدانه وتاريخ يصوغ وعيه ومسيرة تمنحه معنى الانتماء إلى قصة أكبر من ذاته
ومن أول هتاف على أراضيك
بالحكم لله ثم لعبدالعزيز
وأنت في مجد مجيد وعز عزيز
بلاد بالتكبير فتحت
بالدستور قرآنًا وسنةً حكمت
راية التوحيد رفعت
وعلى كلمة الحق وحدت
الأراضي المتفرقة توحدت
وحلة الوطن ارتدت
وصار الوطن حكاية سمت
ألمع نجمة في السماء بدت
وأعلى قمة في الأرض علت
ومن هنا ابتدأت حكايات الشموخ وهاهنا بنى الحضارات الطموح
فالوطن الذي نشأ على التوحيد ووحدة الصف لم يكن تاريخه مجرد أحداث مضت بل كان أساسًا لمسيرة مستمرة من البناء والطموح
صرح عز جاوز الصروح
قمة مجد أعلى من الطموح
قصة مجد بالمفاخر تبوح
بارق فخر وسناء اعتزاز يلوح
رعاك الله يا وطن الشموخ
وهذا المجد الذي نقرأه في التاريخ لا يكتمل بمجرد الاحتفاء به بل يضع على أبناء الوطن مسؤولية المحافظة عليه وصناعة امتداده
هنا منذ خمس وتسعين عام
وهذه الدار العزيزة مهد عز فيه ربينا
ونهلنا من عزها حتى غدا العز بعضًا من طبعنا
أثمر بنا جهدها ولم يخب زرعها
وها نحن نشارك في صناعة مجدها
فالعز يا وطن العز إرث متأصل في دمنا
وجذر ضارب في أرضنا
وشموخ باق ما بقينا
فمن يعرف قيمة ما ورثه من وطنه لا يقف عند حدود الفخر بالماضي بل ينظر إلى المستقبل بوصفه مسؤولية مشتركة
مسؤولية تبدأ من الإنسان نفسه من علمه وعمله وأخلاقه وإتقانه وقدرته على أن يكون إضافة حقيقية في مجتمعه
يروي طويق عزك الشاهق
وتشهد هضبة نجد على مجدك الباسق
يا وطنًا أمجاده شواهق
منذ ست وتسعين عام
للمجد والعلياء يسابق
ومن هنا تصبح الوطنية طاقة تدفع الإنسان إلى الإنجاز لا مجرد شعور يسكن القلب
فحين يشعر الإنسان أنه جزء من وطنه يصبح نجاحه الشخصي امتدادًا لنجاح وطنه ويصبح إتقانه لعمله صورة من صور الوفاء وانتماؤه مسؤولية تظهر في سلوكه قبل كلماته
أبناؤك لأمجادك صانعين
ورياضك زارعين
وبنهضتك مرتقين
وبحضاراتك ناهضين
لآمالك ساعين
بالعزم واليقين
لك باذلين مفكرين
ساعين مبتكرين
معطين مخلصين
وهكذا لا يكون المواطن متلقيًا لما يقدمه الوطن فحسب بل شريكًا في صناعته
فكل علم يتعلمه وكل عمل يتقنه وكل فكرة يبتكرها وكل مبادرة يقدمها يمكن أن تتحول إلى لبنة جديدة في بناء وطنه
يتجدد الولاء
يتعزز الانتماء
يتنامى العطاء
ويعلو بنا الفخر إلى العلياء
وفي الثالث والعشرين من سبتمبر تتجدد في الذاكرة حكاية التوحيد المجيدة فتزدحم مشاعر الفخر بالانتساب إلى هذا الوطن وطن العلياء والمفاخر والأمجاد الشواهق
لكن الاحتفاء الحقيقي بهذه الذكرى لا يقف عند استحضار الماضي بل يمتد إلى السؤال عن دورنا في صناعة الحاضر والمستقبل
حب الوطن شعور في قلب كل مواطن للوطن الذي نشأ وترعرع فيه
والمواطن الصالح هو من يترجم حبه ببناء وصناعة أمجاد وطنه الشواهق
مقدرًا نعمة الله عليه وعلى وطنه وشاكرًا لها باللسان والجنان وحامدًا على الصحة في الأبدان والأمن في الأوطان
فحب الوطن ليست قصائد تنظم ولا أهازيج تغنى
بل مساهمة حثيثة في عمارته ونهضته ومشاركة أفراده الفعالة والإيجابية
والمواطنة الحقيقية تظهر في التصرفات والسلوكيات اليومية
في احترام الأنظمة والمحافظة على المكتسبات والحرص على المصلحة العامة
وفي محاربة الفساد والمشاركة في بتره من المجتمع
وفي احترام المقدسات والثوابت والوحدة الوطنية
وفي أن يكون المواطن سفيرًا لوطنه في الحل والترحال
ساعيًا إلى إيصال صورة المواطن السعودي والمملكة العربية السعودية على أجمل ما تكون
فالمواطن سند ويد لتقدم الوطن
ومشاركته في العطاء والبناء ليست أمرًا هامشيًا بل جزء من مسؤوليته تجاه الأرض التي منحته الهوية والأمان والانتماء
ومن هنا تتضح العلاقة العميقة بين الوطنية وصناعة الإنسان
فالعطاء لا يبني الوطن وحده بل يبني الإنسان أيضًا
حين يرى أثر علمه وعمله ومبادرته في حياة الآخرين يشعر بقيمة ما يقدمه ويدرك أن قدراته يمكن أن تتجاوز حدود مصلحته الشخصية لتصنع أثرًا يمتد إلى مجتمعه ووطنه
وهنا تنتقل الوطنية من سؤال ماذا أعطاني الوطن؟
إلى السؤال الأكثر نضجًا ماذا أستطيع أن أقدم لوطني؟
إنها النقلة التي تجعل الإنسان شريكًا لا متلقيًا
وفاعلًا لا متفرجًا
وصانعًا للمستقبل لا مكتفيًا بالفخر بالماضي
فالوطن يصنع المواطن بما يمنحه من هوية وانتماء وأمان وذاكرة
والمواطن يصنع وطنه بما يقدمه من علم وعمل وإتقان وعطاء
وبين وطن يمنح أبناءه معنى الانتماء وأبناء يمنحونه معنى الاستمرار تتجدد العلاقة وتكبر المسؤولية ويتحول الحب من إحساس يسكن القلب إلى أثر يظهر في الواقع
وهنا يصبح العز الذي نتحدث عنه ليس مجرد إرث نعتز به بل قيمة نعيشها وسلوكًا نمارسه ومسؤولية نحملها
فالعز يا وطن العز إرثٌ متأصلٌ في دمنا
وجذرٌ ضاربٌ في أرضنا
وشموخٌ باقٍ ما بقينا
وأرفع الخفاق أخضر
يحمل النور المسطر
يعتلي فخرًا وأكثر
يرتقي مجدًا ويكبر
رددي الله أكبر يا موطني
وما يرفع الراية عاليًا ليس الفخر وحده بل عطاء المواطن
بعلمه وعمله وإتقانه وإخلاصه ومبادرته وصنعه للأثر
فكل إنجاز يقدمه هو لبنة في بناء الوطن
وكل عطاء يبذله هو امتداد لمسيرة مجد تتجدد بأبنائها
وكل مواطن يخلص في عمله ويؤدي دوره ويصنع أثرًا نافعًا إنما يكتب سطرًا جديدًا في حكاية وطنه
ليظل الوطن في القلب
والعطاء في الفعل
والمجد في الأثر
ويبقى المواطن شريكًا في صناعة وطنه وكتابة فصول مجده جيلًا بعد جيل .
للتواصل: [email protected]



