كتاب الرأي

الوطن عقيدة وراية لا تنحني

✍️علي حسين محمد الذروي – كاتب سعودي :

ثمة لحظات في حياة الأوطان لا تكون فيها الأحداث مجرد أخبار عابرة بل تصبح اختبارا لمعنى الانتماء وفرصة تتجلى فيها حقيقة العلاقة بين الإنسان وأرضه وتظهر فيها معادن الشعوب وصلابة وحدتها
وفي مثل هذه اللحظات لا يحتاج المواطن السعودي إلى من يذكره أين يقف فالسعودية بالنسبة إليه ليست رقعة جغرافية تحدها الخرائط ولا اسما يحمله في وثائقه الرسمية بل وطن تشكلت في رحابه هويته وارتبط به تاريخه ومستقبله واستقرت محبته في وجدانه
لقد قامت هذه البلاد على عقيدة التوحيد ومنها استمدت وحدتها وقوتها وتحت رايتها اجتمع أبناؤها جيلا بعد جيل ولذلك فإن الولاء للدين ثم للمليك والوطن ليس شعارا موسميا يعلو في الرخاء ويخفت عند الشدائد بل عهد ثابت وقيمة راسخة تظهر حقيقتها حين تشتد الظروف
وحين يتعلق الأمر بأمن المملكة وسيادتها ومقدساتها فإن الشعب السعودي يعرف مسؤوليته جيدا
قد نختلف في تفاصيل حياتنا وقد تتعدد آراؤنا واجتهاداتنا لكن الوطن يظل المساحة الكبرى التي نجتمع فيها جميعا وتبقى سيادته ووحدته وأمنه ومقدساته ثوابت لا تقبل المساومة
فخلف الراية الخضراء شعب يعرف وطنه ويعرف قيمة الأرض التي يقف عليها ويعرف أن المحافظة على مكتسباتها ليست مسؤولية الدولة ومؤسساتها وحدها وإنما هي مسؤولية كل مواطن في موقعه
ووطنية السعودي لا تظهر فقط في لحظة الخطر بل تظهر في العمل والإنتاج وفي المحافظة على مقدرات الوطن وفي مواجهة الشائعات وفي تعزيز وحدته الاجتماعية وفي الإسهام في بنائه وفي أن يكون كل مواطن لبنة صالحة في مشروع وطن يمضي بثقة نحو مستقبل أكثر قوة وازدهارا
إنها مسؤولية تاريخية نحملها تجاه وطن لم نصنع حاضره وحدنا بل تسلمناه أمانة ممن سبقونا وسنسلمه أمانة لمن يأتي بعدنا
ومن هنا يصبح السؤال في لحظات المسؤولية الكبرى ليس ماذا قدم لنا الوطن بل ماذا سنقدم نحن له
ولعل من أعظم ما يستشعره الإنسان على هذه الأرض نعمة الأمن والأمان تلك النعمة التي ألفناها حتى أصبحت جزءا من تفاصيل أيامنا
أن يخرج الإنسان من بيته آمنا ويعود إليه مطمئنا وأن يعيش أهله وأبناؤه في وطن مستقر وأن تمضي الحياة في مدنه وقراه في سكينة وأن تبقى الأرواح والممتلكات والمقدرات مصونة
هذه ليست تفاصيل عادية في حياة الشعوب
إنها نعمة عظيمة لا يعرف قدرها حق المعرفة إلا من رأى كيف تصبح الحياة حين يفقد الوطن أمنه وكيف تتبدل البيوت والطرقات والأحلام حين تعبث الفوضى بمصائر الشعوب
والأمن الذي نعيشه لم يأت من فراغ
إنه بعد توفيق الله ثمرة دولة قوية وقيادة تحمل مسؤوليتها ومؤسسات تعمل ورجال يسهرون على حماية الحدود والأمن وشعب يدرك أن وحدته وتلاحمه ووعيه جزء من قوة وطنه
ولهذا فإن المحافظة على أمن المملكة ليست مسؤولية رجل الأمن وحده ولا الجندي المرابط على الحدود وحده بل مسؤولية كل مواطن
فالوطن الذي منحنا الطمأنينة يستحق منا أن نحمي طمأنينته
والوطن الذي آوى أبناءنا يستحق منا أن نصون أمنه
والوطن الذي عشنا على أرضه آمنين مطمئنين يستحق أن نقف معه صفا واحدا حين تشتد التحديات
وفي قلب هذه المسؤولية يقف شرف عظيم اختص الله به المملكة العربية السعودية وهو خدمة الحرمين الشريفين واحتضان مكة المكرمة والمدينة المنورة
مكة التي تتجه إليها وجوه المسلمين في صلواتهم كل يوم
والمدينة التي احتضنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنها أشرق نور النبوة
هاتان البقعتان المقدستان ليستا مجرد جزء من جغرافية المملكة بل أمانة دينية وتاريخية عظيمة وشرف الدفاع عن أمنهما وحمايتهما شرف يحمله أبناء هذه البلاد بكل اعتزاز
ولهذا فإن أمن المملكة بالنسبة للسعوديين ليس قضية سياسية عابرة
إنه أمن البيوت والأبناء والمستقبل
وأمن الأرض والمقدسات
وأمن وطن يحمل رسالة ومكانة ومسؤولية
وعندما تشتد التحديات من حولنا تظهر حقيقة عرفها تاريخ هذه البلاد طويلا
أن الشعب السعودي يزداد تماسكا حين تشتد الظروف ويقف مع دولته وقيادته ومؤسساتها ويحمي وحدته ويرفع رايته في كل محفل باعتزاز وثقة ويثبت أن انتماءه لهذه الأرض ليس انتماء مصلحة أو ظرف بل انتماء وطن ومصير
وهذه الدولة منذ أن وحدها الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود طيب الله ثراه لم تكن بمنأى عن التحديات ولم يكن طريقها عبر التاريخ خاليا من الصعاب
واجهتها الظروف فصمدت
وأرادت التحديات أن تكسرها فزادت قوة
وحاولت الصعاب أن تعطل مسيرتها فمضت
وأغلقت الأبواب في وجهها ففتحت للمستقبل أبوابا أوسع
وفي كل مرة كان الرهان بعد الله على قيادة تعرف مسؤوليتها وشعب يعرف وطنه
ومن هنا فإن ما نراه اليوم من قوة المملكة ومكانتها لم تصنعه سنوات الرخاء وحدها بل صنعته أيضا المواقف الصعبة التي أثبتت فيها هذه البلاد قدرتها على الصمود وتجاوز التحديات والخروج منها أكثر قوة ومنعة
إنها قصة وطن كلما ظن البعض أن التحديات ستضعفه أثبت أن جذوره أعمق وأن وحدته أصلب وأن إرادة أبنائه أقوى
لسنا شعبا يبحث عن الحرب ولا يتمنى الصراع
نحن شعب يريد السلام والأمن والبناء والازدهار
لكن حب السلام لا يعني التفريط في الوطن
والحرص على الاستقرار لا يعني التهاون في السيادة
وحين يتعلق الأمر بأرضنا وأمننا ومقدساتنا فإننا نعرف قيمة التضحية ونعرف أن الوطن الذي منح أبناءه الأمن والعزة يستحق منهم أن يبذلوا في سبيل حمايته الغالي والنفيس
وإذا كان الدفاع عن الوطن واجبا فإن الدفاع عن وطن يحتضن مكة والمدينة شرف فوق الواجب
هنا يصبح الانتماء عهدا
والولاء موقفا
والوطن أمانة
والراية كرامة
هذه هي الوطنية التي نؤمن بها
ليست صخبا عابرا ولا كلمات تكتب في لحظة حماس ثم تنطفئ
إنها عقيدة راسخة وولاء ثابت وعمل ومسؤولية وتضحية
وسيبقى المواطن السعودي جنديا لوطنه بعلمه وعمله ووعيه وموقفه
وسيبقى مع قيادته حارسا لوحدته وسندا لأمنه وشريكا في بنائه
وإذا دعا الواجب إلى التضحية فإن للوطن من أبنائه أغلى ما يملكون
وستبقى المملكة العربية السعودية بإذن الله عزيزة شامخة
رايتها عالية
ووحدتها راسخة
وأمنها مستتبا
ومقدساتها مصونة
وشعبها ملتفا حول قيادته
وستبقى مكة والمدينة في قلب كل سعودي أمانة لا يفرط فيها وشرفا يبذل في سبيل أمنهما الغالي والنفيس
وسنبقى نحمد الله على نعمة وطن نصبح فيه آمنين ونمسي فيه مطمئنين ونعمل جميعا لكي يبقى كذلك لأبنائنا وأحفادنا
فالسعودية ليست وطنا نسكنه فحسب
السعودية وطن يسكننا
ولهذه الأرض في قلوب أبنائها مكان لا يزاحمه مكان
وطن عقيدته راسخة ورايته لا تنحني

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى