《السرد يبرز الفرد》

✍🏽 تركي بن شجاع بن تركي الخريم- باحث يهتم بالتراث الجغرافي والقبائل والشأن الثقافي للمفاهيم :
السرد هو التتابع والانتظام، وكذلك الدروع المنسوجة، وتتابع الصوم، وتقاطر القوافل بعضها في أثر بعض، وهو الخبر والحكاية على تنوعها، ويشترط فيه سارد ومسرود وأحداث وزمان، وهذا الفرد المتفرد في أسلوبه ودروبه أي مسالكه في الحكاية وتقليب الرواية هو محمد بن ربحي بن عيسى بن نصار الأيوبي، من سكان طيبة الطيبة على ساكنها أفضل الصلاة والتسليم، أبو إبراهيم كنية، ويعرف بين الباحثين في تراث الأنساب والجينات والروايات التاريخية بـ(الحقائق الجينية).
قال عن نفسه: “ندرس تحورات العرب الجينية ولا نخل بالمواريث على أرض الواقع”.
إذا كان الخبر أصغر وحدة خبرية دلالية بسيطة، فإن دلالته تشكل انطلاقا للمتحدث، وهذا ما يتميز به (فتى قيس) في متناولات حكائية تند عن الحصر سردية وحوارية يتناول فيها تحديد البداية، ويتشعب ويتدرج ويتعرج في مغاز ومعاز أي عزو للسند، إلا أن بعض المحاورين قد يضيق ذرعا ولا يلتقط مداليل الضمائر وبدءها وعودها ولا الالتفات لها:
تلفتُّ نحو الحي حتى وجدتني وجعت من الإصغاء ليتًا وأخدعا
هذا الفتى العامري القيسي تلفت بعد أن ظهر له البشر في جنوب الشام:
ولما رأيت البشر قد حال بيننا وجالت بنات الشوق في الصدر نُزّعا
والجول الحركة بسرعة قلّ أن يدركها ويميزها الناظر، تشمل الوحوش من الطيور ومن الظباء وكليهما فائق السرعة ويُعبّر عن الجول بسرعة الحركة ، وقد جال الصقر في جو السماء أي تحرك، وجالت الهواجيس في الضمير أي أفزعت صاحبها، والجولة مرة بعد مرة، وهذا ما دعا العامري للتلفت وكاد أن يتراجع من رحلته نحو الديار، ودعا خليليه إلى عدم التعجل لكي يودع مما به من تباريح:
خليليّ عوجا منكما اليوم أودعا نحيّي رسومًا بالقبيبة بلقعا
وهذا المكان المحيّا الذي:
أربت به الأرواح حتى تنسفت معارفها إلا الصفيح الموضعا
والنسف: نسفت الرياح آثار المعالم، مثلما قال الكندي:
لما نسجتها من جنوب وشمألِ
وفتى قيس السارد الآخر كل خبر وحدث لديه مؤطر يماثل حكاية (زيموس)، أي أنه يبدأ بالكشف والانكشاف عن الغوامض ولا نريد أن نتابع التشاكل مع (مقاريوس) مثلما يعبر بالشخصية الشاهدة، فما أكثر مطالب السارد وشهود حديثه على قضيته بين الشام والحجاز، وهي قضية تستحق الإعجاب، وهي متعلقة بأربعة أمور: الزمان، والمكان، وسير الرحلة، والقرائن. والشخصية المتحرى عنها هي أبو الأنبياء إبراهيم -عليه وسائر الأنبياء ونبينا أفضل الصلاة والتسليم: “إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا”، ويقاربها السارد الباحث من جنوب العراق في محافظة ذي قار جنوبها الغربي مدينة الناصرية وقد تعرف بتل المقيّر أو يقال لها: أور القديمة، وقد تنعت بالسومرية، و يبرز من معالمها (زكوّرة أور) وهي بناء ضخم، و ينعت أور- نامور لإله القمر سين، سبحان الإله الحقّ، ثم تبدأ الرحلة من العراق وتعرج إلى الشمال في (حرّان) ثم إلى الشام وإلى مصر ثم إلى الحجاز (مكة المكرمة، أم القرى) فهذا سير الرحلة، وقد عرّف مكان بداية الرحلة. أما الزمان فلا يزال الباحث السارد يجمع أدلته، أي بداية خيط الاستدلال والتعيين، وهي أمور عديدة، منها ما كتب حول إبراهيم -عليه السلام- والشخصيات المجايلة له التي يستدل منها على الزمان، ومنها: البحث في مخطوطات البحر الميت، وحادثة قوم لوط -عليه السلام- وبئر زمزم وانبعاثها في قصة إسماعيل -عليه السلام- وتقريرها الآركولوجي، وأخيرا وليس آخرا الأعمار عبر السلسلة البشرية الجينية من الفحص المعاصر وبعض الرفاة في المقابر، كل هذا جهد يقدر وقد يعثر على ما يدل ويستدل به على الحوادث الكونية بالمعارف العلمية فلله درّه، على هذا التفكير والتقدير في بناء الحكاية وتوجيه الرواية وموضوعاتها، حتى وإن تشاكلت على من لا يتفطن للبداية وانطلاق المعطيات ودواعي الاستدعاءات ووضعية النهائيات،
ونقول للسارد:
وانعم بأيام الصبى واخلع (اشدد)عذارك بالتصابي
***
هذا سلاح كامل وألّهْ وذو غرارين سريع السلّةْ
فهذه عدة الباحث مضى تبيان بعض شيء منها، وندعو له مثلما ورد في حديث الدعاء: “اللهم أسلل سخيمة قلبي”، وهذه السخيمة في قلوب من يعارضونه ويفارضونه وهم لم يبحثوا القضايا
-أسلها الله وسلهم عن طريقه:
أرانا لا يزال لنا حميمٌ كداء البطن سُلّا أو صُفارا
البحث في دهاليز التراث مغْبأرّ أي (ما ذرت عليه الريح وعفت بعضه) ومقمأر أي (المشرقة أنواره) بحاجة إلى مميز بين الخطأ والصواب كقول الغطفاني:
إذا ما يهتدي لُبّي هداني وأسأل ذا البيان إذا عييتُ
أو كقول الأسدي:
نزعت بأسباب الأمور وقد بدا لذي اللبّ أيّ أمريه أصوبُ
أو كقول ابن الخطيم:
ألا من مبلغ عني كعيبا فهل ينهاك لبّك أن تعودا
وما أكثر الذين لم تنهاهم ألبابهم! يعارضون ولا يُفرض لهم، أي لا يقضي لهم القاضي بفرض لسقوط حجتهم:
أراني كلما أصدرت أمرا بني الرقعاء جشّمكم صعودا
مباحث السارد مباحث سامية تجعل قدمي صاحبها دامية، نبتهل إلى الله العلي العظيم أن يسدد خطاه، ويخذل من جفاه، ويحسن دنياه وعقباه:
إذا ابتهلتُ سألتُ اللهَ رحمته كنّيتُ عنك وما يعدوك إضماري
عسى أن تطول بنا الأيام وبكم ونقارب مرة أخرى ما أنجزه السارد بكل خير متوارد، حتى نسرد خبره بتنويعات تتجسد من التجليات الدلالية الحقيقية العارضة والفارضة، تكون خالدة باقية:
ألست ترى فيما مضى لك عبرة فَمَهْ لا تكن يا قلب أعمى يُلَدّدُ.



