أهل العوجا.. تاريخٌ من الثبات ووطنٌ لا ينكسر

✍️د. سعيد بن عبدالله آل جفشر- كاتب سعودي :
استوقفتني تغريدة للأمير الدكتور خالد بن عبدالله آل سعود، عبر حسابه في منصة «X» @dr_khalidalsaud، قال فيها:
«والله الذي رفع السماء بلا عمد لم تزدنا صواريخهم ومسيّراتهم العدوانية إلا حبًا وعشقًا وولاءً لوطننا الغالي وولاة أمرنا أعزهما الله ونصرهما»، ثم استحضر قول الملك فهد بن عبدالعزيز -رحمه الله-:
«حنا هل العوجا ولا به مراوات
شرب المصايب مثل شرب الفناجيل»
وهي كلمات تستدعي ذاكرة وطنية طويلة، امتزجت فيها البطولة بالمآسي، والثبات بالمحنة، وبقي الوطن في كل مرة أطول عمرًا من الأزمات التي مرت به.
فمن صفحات تلك الذاكرة ما تعرضت له المناطق الجنوبية من المملكة إبان الحرب اليمنية في ستينيات القرن الماضي، حين امتدت تداعيات الصراع إلى نجران وأبها وخميس مشيط وجازان. ومضت تلك الحرب برجالها وحساباتها، وبقيت تلك المدن شامخةً في وطنها الكبير، المملكة العربية السعودية.
ثم جاءت حرب تحرير الكويت عام 1991م، وتعرضت المملكة لهجمات صاروخية عراقية طالت الرياض والمنطقة الشرقية، وسقطت بعض الصواريخ وشظاياها في مناطق مأهولة، وأوقعت إصابات وأضرارًا بين المدنيين. ومضى ذلك النظام ومضت تلك المرحلة، وبقي الوطن.
واليوم تتغير الأدوات، لكن مشاهد الخطر تتكرر؛ فالاعتداءات الأخيرة لم تقف عند الأهداف العسكرية، بل امتد خطرها إلى المدنيين والمنشآت المدنية، ووصل التهديد إلى جنوب مكة المكرمة، حيث أعلنت المملكة اعتراض مسيّرة حوثية قبل دخولها المجال الجوي المحظور للعاصمة المقدسة، في ثاني محاولة معروفة من هذا النوع منذ عام 2017م.
وللتاريخ ذاكرة لا تُمحى؛ ففي مطلع القرن السادس عشر قامت اتصالات ومشروعات تعاون بين الدولة الصفوية والبرتغاليين، وتطورت إلى مشروع عسكري مشترك يقوم على تحرك بري من جانب الصفويين وتحرك بحري من جانب البرتغاليين، ضمن توافق على تقاسم النفوذ والسلطات على حساب بلاد العرب والمسلمين ومقدساتهم. وكان من شأن هذا المشروع أن يعرّض مكة المكرمة والمدينة المنورة والقدس لمخاطر مباشرة، ولا سيما مع ما كان لدى البرتغاليين من مخططات عدائية تجاه المدينة المنورة ومقدساتها. وتوثق المصادر مفاوضات 1515–1516م بين الطرفين ومشروعًا عسكريًا واسعًا يتعلق بمكة والمدينة والقدس.
وقد بقي ذلك المشروع في إطار التخطيط، وحالت ظروف سياسية في بلد المعتدي دون انتقال الفكرة والتحالف إلى حيّز التنفيذ، ومن ثم فشل المشروع في تحقيق أهدافه. وتكررت لاحقًا مشاريع التعاون والصراع على النفوذ في الخليج العربي وخليج عُمان، لكنها هي الأخرى لم تبلغ غاياتها.
وهكذا تمضي مشروعات العدوان، ويبقى أصحاب الأرض، وتذهب الأطماع، ويبقى الوطن.
فأين الذين اعتدوا بالأمس؟
مضوا.
وأين مشاريعهم وأمانيهم؟
ذهبت معهم.
أما المملكة فبقيت.
وبقي شعبها معتزًا بدينه وعقيدته، منتميًا إلى وطنه، صادق الولاء لقيادته، يعرف قيمة أمنه ووحدته ومقدساته، ويقرأ في تاريخه أن المعتدين يتغيرون، بينما الوطن باقٍ بأهله وقيادته وإرادته.
هؤلاء هم أهل العوجا؛ أهل التاريخ والصلابة، وأهل الصدق والوفاء. يرفعون رايات السلام، ويمدون أيديهم بالخير، ولكنهم في الوقت نفسه يرفعون اليد الأخرى وفيها حدُّ الحسام، مدافعين عن وطنهم وشعبهم وعقيدتهم ومقدساتهم.
ولهذا لم يكن قول الملك فهد بن عبدالعزيز -رحمه الله-:
«شرب المصايب مثل شرب الفناجيل»
مجرد صورة شعرية، بل معنى وطنيًا عميقًا؛ فالشدائد تمضي، والمعتدون يرحلون، وتبقى الأوطان الراسخة بأهلها وتاريخها.
يمضي المعتدون واحدًا بعد آخر، وتبقى المملكة العربية السعودية؛ ويبقى أهلها كما كانوا ويبقى حكامها آل سعود أهل العوجا.. أهل التاريخ والصلابة، وأهل البطولة التي لا تزيدهم الشدائد إلا رسوخًا.



