
✍️منى الصبياني- كاتبة رأي :
الصباح هادئ. تمر الريح بين أغصان الأشجار بخفة فتمايلها، وتفتح الأزهار ألوانها للشمس. في المكان شيء يدعو إلى الطمأنينة، ويغري المرء بأن يملأ رئتيه بالهواء ويمضي على مهل.
وسط هذا الصباح ظهرت هي.
فتاة شابة تقف عند سور المستشفى، في المسافة القصيرة بين الرصيف والطريق. شعرها أحمر يميل إلى الزهري، وملابسها أنيقة، مطبوعة عليها نقوش طفولية.
تظل ساكنة لحظات، ثم تتحرك. تقترب من الطريق فتتراجع، تدور في مكانها، وتنظر إلى السيارات المارة وإلى وجوه لا تعرفها.
تمر سيارة، فتميل الفتاة نحوها قليلا، كأنها تنتظر منها شيئا.
تمضي السيارة، فتعود إلى مكانها.
بدأ بعض السائقين يخففون السرعة حين يقتربون منها، بينما أطلق أحدهم منبه سيارته بقوة، فقفزت إلى الرصيف.
لم تبد خائفة ولا غاضبة. نظرت إليه فقط، ثم أدارت وجهها إلى الجهة الأخرى.
المارة أيضا يلتفتون.
رجل أبطأ خطواته وأخذ يتمعن في هيئتها، وطفلة مرت بجوارها والتفتت خلفها مرتين. وآخرون عبروا الشارع كما لو أنهم لم يروا شيئا.
أما الفتاة فظلت تدور في المساحة نفسها.
اقتربت منها امرأة، وقالت لها شيئا لم أسمعه.
حدقت الفتاة في وجهها طويلا. تحركت شفتاها بكلمات لم أفهمها، ثم مدت يدها فجأة.
أمسكت المرأة يدها، فهدأت.
استقرت يدها داخل يد المرأة، وللحظة توقفت عن الالتفات إلى الطريق.
تحدثت المرأة إليها بهدوء، ثم أشارت ناحية المستشفى.
خطت الفتاة معها خطوة.
ثم ثانية.
وفي الثالثة توقفت.
أفلتت يد المرأة، وركضت نحو الطريق من جديد.
هتفت إليها المرأة، فالتفتت وهزت رأسها، فتطاير شعرها الأحمر حول وجهها. حاولت المرأة إقناعها بالعودة إلى المستشفى، لكنها آثرت الابتعاد.
وبقيت بين سور المستشفى وعتبة الطريق.
تمر سيارة فتقترب منها.
تمضي، فتتراجع.
لم تصرخ، ولم تبك. ظلت تتفحص وجوه العابرين، وتنتقل بعينيها من شخص إلى آخر، كأنها تريد أن تتعرف إلى أحد.
أما المرأة التي أمسكت يدها فبقيت على مقربة، ترقبها ولم تغادر.
شيئا فشيئا، استعاد الطريق حركته. مضت السيارات، وعاد المارة إلى شأنهم. أما الصباح فواصل زهوه.
وحدها بقيت في مكانها. شعرها يلمع تحت أشعة الشمس، وقد علق غبار الطريق بملابسها. بقيت مع حيرتها، ونظراتها التي ما زالت تبحث عن شيء لا يأتي.
مضيت في سبيلي.
بعد خطوات، التفت خلفي.
رأيتها لا تزال هناك.
مدت يدها في الهواء للحظة، كما لو أنها تنتظر يدا تمسك بها ولا تفلتها.
ثم أنزلت يدها، وأخذت تتلفت حولها.
التفت خلفي للمرة الأخيرة.
حركت الفتاة شفتيها نحو سيارة تقترب.
لم أسمع ما قالت.
مرت السيارة، وابتلع هديرها صوتها.
واصلت سيري.
الأشجار لا تزال خضراء، والريح تحرك الأغصان، والأزهار في أماكنها.
كل شيء كما كان في أول الصباح…
إلا الصباح.



