سيدة الورد والانتظار

✍️صالح بن سعيد الحمداني ـ كاتب راي :
على رصيفٍ منسيٍّ عند حافة المدينة،
تقفُ امرأةٌ تشبه الغروب،
تسند جسدها المرهق إلى عمودٍ باردٍ،
كأنها تستند إلى ما تبقّى من الحياة،
في يدها باقةُ وردٍ حمراء، وفي قلبها ألفُ جرحٍ لا يراه أحد،
تمرّ السياراتُ بجانبها كما تمرّ السنوات، سريعة، صمّاء،
لا تلتفتُ إلى ما خلفها من وجعٍ أو حلم،
كانت السماء رمادية اللون، وكأنها تشاركها الحزن،
والهواء يحمل رائحة الغبار الممزوجة برائحة الورود، في توليفةٍ عجيبة تشبه تناقض الحياة نفسها:
جمالٌ يختبئ في قلب الألم،
وأملٌ يخرج من بين الشقوق اليابسة،
يا سيدة الورد
كم من حلمٍ دفنتِه تحت أقدام المارة؟
كم من ابتسامةٍ خبأتِها في أطراف عباءتك السوداء كي لا يسرقها الزمان؟
تلك الورود التي تحملينها ليست تجارة إنها نبضٌ تحاولين بيعه لمن فقد النبض،
كلّ وردةٍ تحمل ذاكرة،
وكلّ شوكةٍ تذكّركِ بجرحٍ لم يلتئم،
يبدو وجهكِ كصفحةِ كتابٍ قديمٍ قرأته الحياة ألف مرة،
حروفه باهتة لكنها صادقة،
سطوره مليئة بالحنين،
وحواشيه مكتوبةٌ بدمعٍ لا يراه أحد،
تبتسمين أحيانًا لتخبئي انكساركِ،
تشدّين على الساق المعدنية كما لو كانت ذراعَ ابنٍ غابَ طويلاً،
عائد ليحضنك بعد طول سفر وكثرة غياب،
وتمسحين جبينكِ بكفٍّ خشنةٍ من أثر السنين،
ثم ترفعين نظركِ إلى المدى كمن يسأل الله:
هل بقي في هذه الأرض مكانٌ صغيرٌ للحنين؟
يا زهرةً نبتت على الإسفلت،
أيتها الشاهدة على رحيلِ الدفء من الأرصفة،
أخبرينا كيف لا تزالين توزعين الورد رغم أنّ أحدًا لم يهده إليك يوما؟
كيف استطعتِ أن تبقي عطركِ في زمنٍ اختنق بأنفاس التعب؟
إنكِ تشبهين لبنان الجريحة بل كل مدينة ينزفُ جراحها،
حين تبتسم رغم الخراب،
تشبهين الأمهات حين يُخفين دموعهنّ حتى لا يرى الأطفال وجع الوطن والرحيل،
المدينة تمرّ من حولكِ،
لكنها لا تراكِ،
كأنكِ ظلّ الحنين،
أو صوتٌ من الماضي يعود ليذكّرنا بأنّ الفقر لا يمحو النُبل،
وأنّ من يبيع الورد،
لا يمكن أن يكره الحياة،
أو أن يلوث فكره بمغريات عشوائية،
تغيب الشمس،
ويهبط الليل على كتفيكِ،
لكن باقتكِ لا زالت تضيء،
كأن الورد يرفض أن يذبل في يدٍ لا تزال تؤمن بالعطاء،
يا امرأةً علّمتِ الأرصفة معنى الانتظار،
يا من غزلتِ من الوجعِ ثوبَ الصبر،
لكِ السلامُ ما دامت الورود تنبت رغم الحجارة،
ولكِ المجدُ ما دام فيكِ قلبٌ لا يشيخ،
ولكِ الحلمُ ما دام في عينيكِ بريقٌ يقاوم الغياب،
فلتبقَي هناك،
فلتبقَي هناك، على الرصيف،
شعلةً صغيرةً في عتمة المدينة،
وسنقول كلما مررنا بكِ:
ما أجملَ أن تظلّ امرأةٌ واحدةٌ تحملُ الورد،
حين قرّر الجميع أن يلقوه على القبور،
وهنا أضع أنا نقطة آخر السطور.
للتواصل : [email protected]


