كتاب الرأي

فوبيا الأشخاص… خوف يختبئ في التفاصيل اليومية

✍️صالح بن سعيد الحمداني ـ سلطنة عمان:

تُعدّ الفوبيا أو الرهاب أحد الاضطرابات النفسية التي يعاني منها كثيرون حول العالم، وتتخذ أشكالاً مختلفة ترتبط بأشياء أو مواقف محددة، ومن بين هذه الأنواع يبرز “رهاب الأشخاص” أو الأنثروفوبيا؛ وهو خوف غير مبرر من التعامل مع الآخرين أو التواجد بينهم، قد يبدو هذا النوع غريباً عند من لا يعايشونه، لكن المصاب به يواجه صعوبات يومية تمتد من تواصل بسيط مع الآخرين إلى عزلة شبه تامة، ويظهر رهاب الأشخاص غالباً على شكل قلق شديد عند التفاعل الاجتماعي، أو الخوف من ملاحظة الآخرين أو الحكم عليهم، إلا أن الأنثروفوبيا قد يكون أشد من مجرد “رهاب اجتماعي”، إذ يخشى المصاب الأشخاص بحد ذاتهم وليس المشهد الاجتماعي فحسب، فقد يشعر بالخطر حتى عند المرور بقرب مجموعة من الناس أو عند محاولة بدء محادثة عابرة، وترافق هذه الحالة أعراض جسدية مثل تسارع ضربات القلب، التعرّق، الارتجاف، ضيق التنفس، والشعور بالدوار.

وتعود أسباب هذا الرهاب إلى عوامل متعددة، فقد يكون نتيجة تجارب مؤلمة في الطفولة، كالتنمّر أو الرفض الاجتماعي أو الإهمال، وقد تساهم البيئة الأسرية الصارمة في تعزيز الحساسية تجاه العلاقات الاجتماعية، ويُضاف إلى ذلك تأثير العوامل الوراثية التي تزيد من احتمالية الإصابة باضطرابات القلق، كما تلعب التكنولوجيا ووسائل التواصل دوراً غير مباشر، إذ تمنح الأفراد مساحة تواصل آمنة خلف الشاشات، ما يجعل التواصل الحقيقي أكثر صعوبة وتهديداً، ومن صور رهاب الأشخاص التي يتجاهلها كثيرون، خوف بعض الأفراد من أشخاص آخرين أكثر نجاحاً أو شهرة أو تأثيراً، إذ يشعر الطرف الأول بأن وجود شخص متفوق منه مكانةً أو نفوذاً قد يهدد موقعه الاجتماعي أو صورته الذاتية، حتى لو لم يكن الطرف الثاني يفكر مطلقاً في منافسته أو أخذ مكانه، هذا النوع من الخوف يدفع صاحبه إلى تجنّب الشخص الناجح، وإبعاده من حياته، أو التقليل من شأنه، وكأنه يحاول حماية مساحة نفسية يرى أنها مهددة، ورغم أن الطرف الآخر لا يسعى إلى منصب أو شهرة أو جاه، فإن هذا لا يغيّر شيئاً في عقلية الشخص الخائف، الذي يختار العزلة أو التجاهل كآلية دفاعية، هذه الظاهرة تمثل شكلاً من أشكال الأنثروفوبيا المرتبطة بالمقارنة الذاتية وبالخوف من فقدان القيمة في نظر النفس.

وتكمن خطورة رهاب الأشخاص في تأثيره الواسع على حياة المصاب، فالعلاقات الاجتماعية التي تُعدّ أساساً للصحة النفسية تتحول إلى عبء، وقد يجد المصاب صعوبة في تكوين صداقات أو المشاركة في العمل الجماعي، وقد يمتنع عن حضور مناسبات اجتماعية أو مقابلات عمل، ما يحدّ من تطوره المهني، أما في العلاقات العاطفية، فيزداد الأمر تعقيداً، إذ يصبح القرب الاجتماعي مصدر قلق كبير.

ورغم أن هذا الاضطراب يبدو مقيداً، فإن علاجه ممكن، إذ يُعد العلاج السلوكي المعرفي من أكثر الأساليب فعالية، فهو يهدف إلى تعديل الأفكار السلبية وتحويلها إلى أفكار واقعية، كما يساعد التعرّض التدريجي على مواجهة الخوف خطوة بخطوة، وفي الحالات الشديدة، يمكن استخدام الأدوية بتنظيم الطبيب المختص لتخفيف مستويات القلق، ولا يقل الدعم الاجتماعي أهمية عن العلاج المتخصص، فالمصاب برهاب الأشخاص غالباً ما يشعر بالخجل من مخاوفه، مما يدفعه للانسحاب، وهنا يأتي دور الأسرة والأصدقاء في توفير بيئة آمنة خالية من الأحكام، كما يمكن للمؤسسات التعليمية والوظيفية المساهمة عبر برامج التوعية والدعم النفسي.

إن الحديث عن رهاب الأشخاص يفتح نافذة لفهم التحديات النفسية غير المرئية، فالمجتمع يميل إلى تفسير الانطواء أو التجنب على أنه ضعف أو غرابة، متجاهلاً أن الرهاب حالة نفسية تحتاج إلى مساندة، ويذكّرنا هذا الاضطراب بأهمية الاهتمام بالصحة النفسية وبأن مواجهة المخاوف خطوة نحو حياة أكثر اتزاناً وراحة، ومع ازدياد الوعي، يمكن للكثيرين تجاوز هذا الرهاب واستعادة الثقة في أنفسهم وفي الآخرين.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى