كتاب الرأي

عُمان… مجدٌ يتجدد

✍️ صالح بن سعيد الحمداني ـ سلطنة عمان :

يأتي العشرون من نوفمبر كل عام كفجرٍ جديد يشرق على جبين عُمان، لا بوصفه تاريخًا عابرًا في تقويم الأيام ولكن باعتباره شاهدًا على تأسيس دولة آل سعيد قبل 281 عامًا، تلك الدولة التي أمدّ الله لها في العُمر والعطاء، فصارت إحدى أعرق الدول العربية المعاصرة، وأشدّها رسوخًا في جذور التاريخ واستقرارًا في وجه الرياح، وفي هذا اليوم الوطني المجيد، تتجدد في قلب كل عُماني مشاعر الاعتزاز والانتماء، وتتعالى حكايات الفخر التي تمتد من أعماق الأزمنة حتى حاضر النهضة والتجديد.

نوفمبر… شهر التاريخ المتوهج في ذاكرة العُمانيين، فمن بين أشهر السنة يظل نوفمبر ذا نبرة خاصة في وجدان العُمانيين، فهو شهر يوقظ الحنين إلى السنين التي مضت، ويثير في الروح دفء الانتماء، إذ فيه كانت تحتفل بسلطانها الراحل طيب الله ثراه، واليوم تحتفل فيه في يوم يحتضن ذكرى قيام دولة شقّت طريقها بالحكمة والعدل، وأضاءت سطور التاريخ بحضورها السياسي والحضاري، وفي كل نوفمبر تتزين الجبال والسهول والقرى والمدن بألوان الفرح، وتلوح الرايات فوق المآذن والبيوت، ويستعيد الناس تفاصيل قصة وطن نُقِش اسمه في ذاكرة العالم منذ فجر التاريخ.

عُمان… أرض الحضارات التي لا تنطفئ، فلم تبدأ الحكاية مع نشأة دولة آل سعيد فحسب وإنما تمتد جذور عُمان إلى آلاف السنين، حيث كانت محطة حضارية مشرقة في ممرّات التجارة القديمة، ومهدًا للّبان والميناء والبحّار، كان العُماني يبحر عبر المحيطات بشجاعة منقطعة النظير، فتسير سفنه في المحيط الهندي، وتمتد جذوره إلى السواحل الشرقية لإفريقيا، لتصبح عُمان قوة بحرية لها حضورها وهيبتها، وقد قدمت عُمان للإنسانية نموذجًا حيًا للتسامح والتعايش والانفتاح، فحين كان العالم يشتعل بالحروب والصراعات، كانت عُمان تؤسس لعلاقات قائمة على الحكمة والعقل، وتبني شبكة من الروابط التجارية والثقافية مع الأمم المختلفة، وحين جاءت سنة 1970، انطلقت عُمان إلى عصر جديد، عصر تنهض فيه الطرق من بين الرمال، وتُشَيَّد المؤسّسات، وتُفتَح أبواب التعليم، وتُضاء القرى التي عاشت طويلًا في ظلمة التهميش، ولقد كانت تلك السنوات بمثابة ولادة وطنٍ جديد يسابق الزمن للحاق بالعالم المتقدم، تشييد المستشفيات، بناء الجامعات، تحديث البنية الأساسية، تأسيس جيشٍ وطني وأجهزة أمن حديثة، تنظيم الإدارة الحكومية… كل ذلك حدث بسرعة لا يعرفها إلا من عاش تلك التحولات، وفي غضون عقود قليلة، أصبحت عُمان دولة تستحق أن يُشار إليها باعتزاز، دولة لا تنسلخ عن هويتها، ولا تستسلم للعزلة، بل تتقدم بخطى هادئة، راسخة، ومتوازنة.

وفي 11 يناير 2020 ومع تولي حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق ـ حفظه الله ـ مقاليد الحكم بدأت مرحلة جديدة من مسيرة التطور، مرحلة عنوانها التحديث، ورسم المستقبل، وتعزيز قوة الدولة العصرية، ومنذ الخطاب الأول لجلالته أدرك العُمانيون أنهم أمام رؤية واضحة تستمد قوتها من إرث الماضي وتطلعات المستقبل، فشهدت السلطنة إصلاحات إدارية واقتصادية واسعة، أعادت هيكلة الجهاز الحكومي، ورفعت كفاءة الأداء، ودعمت تنويع الاقتصاد عبر قطاعات جديدة كالطاقة المتجددة والسياحة واللوجستيات والصناعة والتعدين، كما انطلقت رؤية عُمان 2040 بوصفها خارطة طريق لغدٍ مزدهر، تهدف إلى بناء اقتصاد متنوع، وتعزيز الابتكار، وتطوير التعليم، وتمكين الشباب ليكونوا عماد المستقبل، ولم يغفل جلالته البعد الاجتماعي، فكان الإنسان العُماني ـ كما هو دائمًا ـ في صدارة الاهتمام، عبر برامج التأهيل والتوظيف ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتمكين المرأة، وتحسين جودة الحياة في مختلف المحافظات.

أما على الصعيد الخارجي، فقد واصلت السلطنة بقيادة جلالته نهجها الدبلوماسي العريق، القائم على الاعتدال، والحكمة السياسية، وبناء الجسور لا الجدران، وأثبتت عُمان أنها صوت الحكمة في محيط مضطرب، وأنها قادرة على أن تكون ركيزة استقرار وسلام في المنطقة، إن العشرين من نوفمبر ليس مجرد ذكرى تاريخية، بل هو لحظة يلتفت فيها العُمانيون إلى مسيرة وطنٍ عاش قرونًا من الشموخ، وحمل على كتفيه إرثًا حضاريًا عظيمًا، وبنى دولة راسخة عمرها 281 عامًا، وهو يوم يُعيد فيه العُماني اكتشاف ذاته، ويتأمل رحلته الطويلة من أعماق الأزمنة، مرورًا بعصر النهضة، وصولًا إلى عهد التجديد بقيادة السلطان هيثم بن طارق.

يوم يؤكد فيه العُمانيون أن حب الوطن ليس كلمات تُقال، بل فعل يبنى، ومسؤولية تُحمَل، وولاء يتجدد، وهكذا تظل عُمان أمسًا وحاضرًا وغدًا، وطنًا لا تنطفئ نجومه، ولا تتراجع مسيرته، ولا يسقط شموخه… وطنًا كتب في القلوب قبل أن تكتبه الصفحات.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى