كتاب الرأي

حين تسكن الرحمة بيوتنا

✍️ وهيب شاهين – كاتب سعوي :

الأسرة هي المأوى الأول للإنسان، وفيها يتعلم المحبة والرحمة والتسامح. وإذا كان برّ الوالدين من أعظم القربات إلى الله، فإن عطف الآباء والأمهات على أبنائهم وبناتهم مسؤولية عظيمة وأمانة لا تقل أهمية؛ فالعلاقة الأسرية السليمة لا تقوم على الحقوق وحدها، بل على الرحمة المتبادلة والاحترام والحوار والعفو.

لقد قرن الله سبحانه وتعالى الإحسان إلى الوالدين بعبادته، فقال تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. وبرّ الوالدين لا يقتصر على تقديم المال أو قضاء الحاجات، بل يشمل الكلمة الطيبة وخفض الصوت واحترام الرأي والصبر عند الكِبَر والسؤال الدائم عنهما وإدخال السرور إلى قلبيهما، والدعاء لهما في حياتهما وبعد وفاتهما.

وفي المقابل، للأبناء والبنات حقوق ينبغي ألا تُهمَل، منها التربية الحسنة والرعاية والإنفاق والتعليم والعدل بينهم والاستماع إليهم واحترام مشاعرهم وتقدير قدراتهم وعدم مقارنتهم بغيرهم. فالابن أو الابنة يحتاجان إلى الاحتواء قبل التوجيه، وإلى الحب قبل المحاسبة، وإلى من يفهم أخطاءهما ويساعدهما على إصلاحها دون تجريح أو تحقير.

إن بعض الخلافات الأسرية تبدأ من كلمة قاسية، ثم تكبر بسبب العناد وسوء الفهم ورفض الاعتذار. وهنا تظهر قيمة العفو عند المقدرة؛ فالعفو ليس ضعفًا ولا تنازلًا عن الكرامة، بل قوة أخلاقية تسمو بالإنسان وتحرره من الغضب والرغبة في الانتقام. قال تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.

كم من أبٍ أو أمٍ ينتظران كلمة اعتذار من ابن أو ابنة، وكم من ابن أو ابنة يتمنيان حضنًا صادقًا أو كلمة رضا من والديهما. وقد تمر السنوات ويبقى كل طرف متمسكًا بموقفه، بينما يمكن لمبادرة بسيطة أن تعيد الدفء إلى الأسرة. فالاعتذار لا يُنقص مكانة الكبير، والصفح لا يُضعف الصغير، بل يفتحان بابًا جديدًا للمحبة وصلة الرحم.

والتقرب من الله لا يكون بكثرة العبادات الظاهرة فقط، بل يظهر أثره في أخلاق الإنسان داخل بيته؛ في رحمته بأبنائه، وصبره على والديه، وعدله بين أفراد أسرته، وقدرته على ضبط غضبه، وحرصه على إصلاح ذات البين. فما قيمة العبادة إذا كان الإنسان يؤذي أقرب الناس إليه بكلماته وتصرفاته؟

ومن المهم أن ندرك أن برّ الوالدين لا يعني إلغاء شخصية الأبناء أو تجاهل مشاعرهم، كما أن حقوق الأبناء لا تبرر الإساءة إلى الآباء والأمهات أو رفع الصوت عليهم. الحقوق الأسرية تقوم على التوازن؛ طاعة في المعروف، ونصيحة بلطف، وحوار باحترام، وحدود تحفظ كرامة الجميع.

نحن بحاجة إلى بيوت يكون فيها الأب قدوة في الرحمة والعدل، والأم مصدرًا للحنان والأمان، والأبناء والبنات عنوانًا للبر والوفاء. وحين يخطئ أحدهم يجد من يرشده، وحين يعتذر يجد من يعفو عنه، وحين يضعف يجد قلبًا يحتويه لا لسانًا يجرحه.

فلنبادر قبل فوات الأوان؛ لنقترب من آبائنا وأمهاتنا، ولنطمئن على قلوب أبنائنا وبناتنا، ولنفتح أبواب الحوار والمسامحة. فالعمر أقصر من أن نهدره في الخصام، والأسرة أثمن من أن نفقدها بسبب كلمة أو موقف عابر.

إن أجمل ما يتركه الإنسان في أسرته ليس المال ولا الممتلكات، بل ذكرى طيبة، وقلب رحيم، وتربية صالحة، ودعاء صادق يرافقه في حياته وبعد رحيله. فبرّ الوالدين طريق إلى رضا الله، ورحمة الأبناء أمانة، والعفو عند المقدرة رفعة، والبيت الذي تسكنه المحبة هو أعظم نعمة يمكن أن يمتلكها الإنسان .

للتواصل : [email protected]

Eman Saad

مسؤولة النشر والتدقيق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى