المطلقة.. حين يصبح الصمت عنوانًا للعفة

✍️هشام حسن نتو – كاتب راي :
ليس كل طلاقٍ هزيمة، وليس كل امرأة اختارت إنهاء زواجها قد تمردت على بيتها أو هربت من مسؤوليتها، كما أن كلمة «مطلقة» ليست وصفًا أخلاقيًا، ولا شهادةً على السلوك، ولا نافذةً مباحة يطل منها الناس على حياة امرأة وخصوصياتها.
هناك نساء اخترن الطلاق لأن البقاء أصبح امتهانًا لكرامتهن، وأخريات اخترنه صيانةً لأنفسهن من زوج أساء العشرة، أو انحرف في سلوكه، أو أخلّ بما تقوم عليه الحياة الزوجية من مودة ورحمة واحترام. وهناك من تحملت أعوامًا قبل أن تصل إلى قرار الانفصال، ثم خرجت من التجربة بصمت، لا لأنها لا تملك ما تقوله، وإنما لأنها تملك من الأخلاق ما يمنعها من قوله.
وهنا تكمن المفارقة المؤلمة.
فالمجتمع يرى الطلاق، لكنه لا يرى السنوات التي سبقته. يسمع قرار الانفصال، ولا يسمع الحوارات التي دارت خلف الأبواب. يرى المرأة وقد غادرت بيت الزوجية، لكنه لا يعرف ماذا تركت خلفها، وكم مرة حاولت الإصلاح، وكم موقفًا ابتلعته، وكم ألمًا أخفته حفاظًا على بيتها وأبنائها.
بل إن بعض النساء بعد الطلاق يستطعن قول الكثير، وربما لو تحدثن لانكشفت تفاصيل يشيب لها الرأس، لكنهن يصمتن حفظًا للعشرة التي كانت، وصيانةً لأسرار بيت انتهى، وحفاظًا على صورة الأب في عيون أبنائه.
فليس كل صمت عجزًا، وبعض الصمت مروءة.
ومن الظلم أن يتحول هذا الصمت إلى مساحة يملؤها الآخرون بالظنون.
الأشد قسوة أن تصبح كلمة «مطلقة» عند البعض مدخلًا للحديث عن الغريزة والشهوة والانفلات والعلاقات العابرة، وكأن انتهاء عقد الزواج يسقط عن المرأة عقلها ودينها وقيمها وحدودها.
أي عدل في ذلك؟
المطلقة امرأة قبل أن تكون مطلقة. لها عقلها وتربيتها ومبادئها واختياراتها، والطلاق لا يعيد تشكيل أخلاق الإنسان بين ليلة وضحاها. فمن كانت صاحبة مبدأ وعفة وكرامة لا تصبح بانتهاء زواجها إنسانة أخرى لمجرد تغير حالتها الاجتماعية.
نعم، قد توجد مطلقات أخطأن أو انحرفن في بعض سلوكهن، كما يوجد ذلك بين المتزوجات وغير المتزوجات، وبين الرجال المتزوجين والمطلقين والعزاب. فالخطأ الإنساني لا يحمل بطاقة حالة اجتماعية.
وإذا وجدنا تفاحة فاسدة في طبق، فهل نحكم بأن كل ما في الطبق فاسد؟
المشكلة ليست في الاعتراف بوجود الخطأ، وإنما في تحويل خطأ الفرد إلى تهمة جماعية.
وكم من مطلقة يُضرب بها المثل في رجاحة العقل، ونظافة السيرة، وحفظ النفس واللسان. امرأة خرجت من تجربة مؤلمة فلم تجعل ألمها مبررًا للانتقام، ولم تفتح أسرار بيتها للمجالس، ولم تجعل احتياجها العاطفي بابًا لعلاقة لا ترضاها لنفسها، ولم تتخذ من الحرية ستارًا لتجاوز حدودها.
بل ربما حملت بعد طلاقها مسؤولية أبنائها، وعملت وربّت وصبرت، وأغلقت خلفها أبواب الماضي دون أن تشوه والد أبنائها أو تنتقص منه أمامهم.
تلك أيضًا مطلقة.
فلماذا تختفي هذه الصورة عندما نتحدث عن المطلقات؟
ثم إن العفة أعمق من أن نختصرها في مظهر الإنسان وحده. نعم، للستر والاحتشام مكانتهما، لكن العفة كذلك عفة قلب ونظر ولسان وسلوك. قد لا تبدو امرأة بالصورة التي يصنفها البعض سريعًا ضمن «المتدينات»، بينما تحمل في داخلها من الحياء والكرامة والحدود ما يمنعها من أن تبيع نفسها لوهم عاطفي أو شهوة عابرة.
فإن لم يعفَّ العقل والقلب والسلوك، فلن يستطيع المظهر وحده صناعة الفضيلة.
كما أن وجود الحاجة العاطفية لدى المطلقة لا يعني سقوط عفتها. المرأة إنسانة، ومن الطبيعي أن ترغب في الحب والزواج والسكن النفسي، مثلما يرغب الرجل المطلق تمامًا. ليست العفة موت المشاعر، وليست الفضيلة إلغاء الغريزة؛ وإنما العفة أن يعرف الإنسان كيف يدير مشاعره ورغباته ويحفظها في الطريق الذي يصون كرامته وقيمه.
ولهذا فإن تصوير المطلقة باعتبارها امرأة تطارد إشباعًا مفقودًا أو تبحث عن رجل يملأ فراغها ليس تحليلًا منصفًا لكل المطلقات، بل اختزال لإنسان كامل في جانب واحد من حياته.
ولنتذكر أيضًا أن الطلاق في ذاته ليس خروجًا على الدين ولا انهيارًا أخلاقيًا؛ فقد شرعه الله عندما تتعذر الحياة الزوجية، وجعل له أحكامًا تحفظ الحقوق والكرامة، فقال سبحانه: ﴿وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِن سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾.
تأملوا التعبير القرآني: «كُلًّا».
لم يجعل الكرامة حكرًا على طرف، ولم يجعل الفراق نهاية الحياة.
لذلك علينا أن نتوقف عن محاكمة المرأة من خلال لقب «مطلقة»، كما ينبغي ألا نحول الطلاق إلى بطولة أو حرية مطلقة أو نشجع عليه دون أسباب تستحقه. فالزواج مسؤولية، والطلاق قرار كبير، وكلاهما يحتاج إلى عقل وحكمة.
لكن عندما يقع الطلاق، فلا ينبغي أن يتحول إلى وصمة يحملها طرف واحد بقية حياته.
لا تسألوا دائمًا: لماذا تطلقت؟
اسألوا أنفسكم أحيانًا: لماذا نعتقد أن من حقنا أن نعرف؟
وربما كانت المرأة التي يلوك البعض سيرتها في المجالس قادرة على رواية قصة كاملة تدافع بها عن نفسها، لكنها آثرت الصمت؛ لأن في حياتها أبناءً يستحقون أن تبقى صورة أبيهم محترمة في أعينهم، ولأنها تعلم أن إفشاء أسرار العشير بعد الفراق ليس انتصارًا.
وكم من إنسان يستطيع أن يهدم صورة آخر بكلمات قليلة، لكنه يمتنع؛ لأن حفظ اللسان عند الخصومة من شيم الكرام.
لذلك قبل أن نحاكم مطلقة، أو نفسر لباسها، أو ابتسامتها، أو استقلالها، أو صمتها، أو رغبتها في الزواج مرة أخرى، علينا أن نتذكر أننا نرى صفحة واحدة من كتاب لم نقرأ فصوله.
المطلقة ليست مشروع تهمة، ولا الطلاق شهادة سوء سلوك.
إن أخطأت امرأة فحاسبوا الخطأ، لا الحالة الاجتماعية. وإن أحسنت فلا تنتقصوا إحسانها لأنها خرجت من زواج لم يكتب له الاستمرار.
ففي بيوت كثيرة نساء صبرن حتى أوجعهن الصبر، ثم رحلن دون ضجيج، وحملن أسرار بيوتهن معهن، وأغلقن عليها أبوابًا لا يفتحها إلا الله.
وهؤلاء لا يحتجن إلى شفقة المجتمع بقدر ما يحتجن إلى عدله.
للتواصل : [email protected]



