ليس كل انسحابٍ هزيمة

✍️ موسى الشهري – كاتب رأي :
فبعض الانسحاب نجاة، وبعض الابتعاد شجاعة لا يملكها إلا من أدرك قيمة نفسه، وعرف أن راحته ليست شيئًا يمكن التنازل عنه في كل مرة.
أحيانًا لا ننسحب لأننا ضعفاء، بل لأننا وصلنا إلى مرحلة لم يعد فيها الكلام يُجدي، ولا التبرير يغيّر شيئًا، ولا العتاب يعيد ما انكسر.
ننسحب لأننا تعبنا من شرح مشاعرنا لمن لا يريد أن يفهم، ومن إثبات نوايانا لمن اختار أن يسيء الظن، ومن تقديم الأعذار لمن اعتاد أن يبحث عن أخطائنا ويتجاهل كل ما قدمناه.
ننسحب حين ندرك أن بعض المعارك لا تمنحنا انتصارًا، حتى لو كسبناها، لأنها ببساطة تستنزف أعصابنا ووقتنا وكرامتنا وسلامنا الداخلي.
وليس كل من ابتعد عنك خسر وجودك، فربما كان ابتعاده احترامًا لنفسه بعد أن أدرك أن المكان لم يعد يتسع له كما كان.
هناك لحظة يصبح فيها الصمت أبلغ من الكلام، والابتعاد أصدق من العتاب، وترك المكان أكرم من البقاء فيه وانتظار التقدير.
أحيانًا تكون أقوى قراراتك تلك التي لا يصفق لها أحد؛ أن تغادر دون ضجيج، وأن تنهي دون انتقام، وأن تضع حدًا دون أن تشرح كثيرًا.
ليس عليك أن تبرر انسحابك لكل من لم يفهم أسباب بقائك طوال هذه السنوات.
يكفي أنك تعرف كم مرة حاولت، وكم مرة سامحت، وكم مرة تجاوزت، وكم مرة وضعت نفسك في آخر القائمة حتى لا تخسر أحدًا.
لكن الإنسان حين يستهلك نفسه في سبيل الآخرين، يصل يومًا إلى سؤال مؤلم: وماذا عني؟
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
تبدأ حين تختار نفسك دون شعور بالذنب، وتحمي قلبك دون قسوة، وتضع حدودك دون خوف من أن يغضب الآخرون.
فمن يحبك حقًا لن يطلب منك أن تخسر نفسك كي تبقى معه.
ومن يقدّرك لن يجعلك دائمًا في موضع الدفاع عن نفسك.
ومن يعرف قيمتك، لن يجعلك تتساءل كل ليلة: هل أنا مهم أم لا؟
لذلك، لا تعتبر كل نهاية خسارة.
بعض النهايات إنقاذ، وبعض الأبواب حين تُغلق تفتح أمامك أبوابًا لم تكن تراها لأنك كنت مشغولًا بمحاولة إبقاء بابٍ واحد مفتوحًا.
وأحيانًا لا يكون الرحيل هروبًا من المشكلة، بل هروبًا من أن تتحول أنت إلى نسخة لا تشبهك بسببها.
انسحب حين يصبح بقاؤك إهانة لمشاعرك.
ابتعد حين يصبح القرب استنزافًا.
اصمت حين يصبح الكلام بلا أثر.
واترك حين تدرك أن التمسك لم يعد حبًا، بل خوفًا من الفقد.
فالحياة أقصر من أن نقضيها في أماكن تجعلنا نشك في قيمتنا، ومع أشخاص يجعلوننا نشعر أننا عبء، وفي علاقات نحتاج فيها كل يوم إلى إثبات أننا نستحق أن نُحَب.
أحيانًا يكون أعظم انتصار أن تغادر وأنت ما زلت قادرًا على أن تقول: لم أخسر أحدًا… لقد استعدت نفسي.
والأجمل أن تصل إلى مرحلة لا تحمل فيها حقدًا على من أوجعك، ولا ندمًا على من تركته، ولا رغبة في إثبات أنك كنت على حق.
فقط تمضي.
بقلب أهدأ، ونفسٍ أخف، وكرامةٍ محفوظة.
لأنك أدركت أخيرًا أن بعض الأشخاص لا يُغادرون حياتنا لأننا لا نحبهم، بل لأننا تعلمنا أن حب الآخرين لا يعني أن نتخلى عن أنفسنا.
ليس كل انسحاب هزيمة… أحيانًا يكون الانسحاب هو اللحظة التي تنتصر فيها على كل شيء كان يستنزفك.
للتواصل : [email protected]



