كتاب الرأي

لا تبحث عن الماء حيث جفّ

    ✍️ د.حليمة عسيري – كاتبة وشيفة وبرفسفورة  :

في الحياة، لا تأتي الخسارة دائمًا على هيئة سقوطٍ واضح، ولا يكون الرحيل دائمًا نتيجة نهايةٍ مؤلمة. أحيانًا تكون الخسارة أكثر هدوءًا من ذلك: أن نمضي وقتًا طويلًا في المكان نفسه، ننتظر شيئًا نعرف في أعماقنا أنه لم يعد آتيًا.

نمنح الوقت فرصةً أخرى، ونمنح الأشخاص أعذارًا جديدة، ونؤجل قراراتنا خوفًا من أن يكون الرحيل اعترافًا بالفشل. ثم نمضي في الانتظار، حتى يتحول ما كان أملًا جميلًا إلى عبءٍ يثقل الروح.

وهنا تبرز حكمة بسيطة، قادرة وحدها على أن تضع الإنسان أمام نفسه:

«لا تغضب من البئر الجاف لأنه لا يعطيك ماءً؛ اسأل نفسك لماذا تصرّ على استخراج الماء من مكانٍ تعرف أنه لا ماء فيه.»

ليست المشكلة دائمًا في قلة ما نبذله، بل في الوجهة التي نضع فيها هذا البذل.

قد يملك الإنسان قدرةً كبيرة، وطموحًا صادقًا، واستعدادًا لا ينقطع للعمل، لكنه يستنزف كل ذلك في بيئة لا تمنحه مساحة للنمو، أو في علاقة لا تقوم على التبادل، أو في انتظار فرصةٍ واحدة يظن أنه لا بديل عنها.

ومع الوقت، لا يعود السؤال: «لماذا لم أنجح؟»
بل يصبح السؤال الأصدق: «هل كنت أحاول في الاتجاه الصحيح؟»

ذلك سؤال قد يكون صعبًا، لكنه ضروري.

فالإصرار فضيلة حين يقف خلفه هدف يستحق، لكنه يتحول إلى استنزاف حين يصبح الإنسان أسير فكرة أن عليه الاستمرار لمجرد أنه بدأ.

وليس كل توقف استسلامًا. أحيانًا يكون التوقف ضربًا من الحكمة: أن تتراجع خطوة لتعيد النظر، وأن تعيد حساباتك قبل أن تُنفق مزيدًا من عمرك في اتجاهٍ لا يقودك إلى ما تريد.

وفي مسيرتنا المهنية، قد نلتقي ببيئات لا ترى ما نستطيع تقديمه، أو بفرصٍ لا تتناسب مع طموحاتنا، أو بأبوابٍ ظللنا نطرقها طويلًا. وربما كان أصعب ما في الأمر أننا نربط قيمتنا بمدى استجابة الآخرين لنا. لكن قيمتنا لا يحددها بابٌ أُغلق، ولا فرصةٌ لم تكتمل، ولا مكانٌ لم يُحسن استثمار قدراتنا.

قد يكون الرفض مؤلمًا، لكنه لا يعني بالضرورة أنك غير جدير. وقد يكون التأخير محبطًا، لكنه لا يعني أن الوصول مستحيل. وقد تكون النهاية التي خشيناها هي المساحة التي تبدأ منها مرحلة أكثر نضجًا ووضوحًا.

المهم أن نعرف الفرق بين الصبر الذي يقود إلى نتيجة، والانتظار الذي يؤجل الحقيقة. فبعض الطرق تحتاج إلى مزيد من المحاولة، وبعضها يحتاج إلى شجاعة الانحراف عنها.

وهذه الشجاعة لا تعني أن نتخلى عن أحلامنا، بل أن نحميها من أن تتحول إلى عبء؛ أن نفهم أن الحلم قد يبقى كما هو، بينما تتغير الوسيلة التي تقودنا إليه.

كم من إنسانٍ ظن أن ابتعاده عن مكانٍ ما يعني أنه خسر، ثم اكتشف بعد سنوات أن ذلك الابتعاد كان بداية اتساع حياته؟ وكم من بابٍ أُغلق في وجه صاحبه، فاضطر إلى البحث عن بابٍ آخر، ليجد خلفه فرصةً لم يكن ليراها لو ظل واقفًا أمام الباب الأول؟

الحياة لا تمنحنا دائمًا الإجابة التي نريدها، لكنها تمنحنا إشارات كافية لمن يريد أن يتأمل. وفي بعض الأحيان تكون الإشارة واضحة جدًا:

ليس هنا.

عندها لا نحتاج إلى مزيد من الغضب، ولا إلى جلد الذات، ولا إلى استنزاف ما تبقى من طاقتنا. نحتاج فقط أن نرفع أعيننا عن المكان الذي اعتدنا النظر إليه، وأن نمنح أنفسنا فرصةً لرؤية ما حولنا.

فربما كان الماء قريبًا، لكننا كنا منشغلين بالحفر في أرضٍ جفّت منذ زمن.

وفي النهاية، ليست الحكمة أن نعرف كيف نتمسك بما نريد فحسب، بل أن نعرف أيضًا متى يصبح التمسك به ظلمًا لأنفسنا. فليس كل ما ينتهي خسارة، وليس كل ما نتركه فشلًا.

أحيانًا لا نحتاج أن نغيّر المكان…

بل نحتاج أن نتوقف عن الإصرار عليه.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى