الأدب حين يغادر الورق إلى المنصة .

✍️ عنبر المطيري – كاتبة رأي :
بين هذه التغيّرات التي نحن بصددها اليوم قاطعني هذا الصباح سؤالٌ مفتونٌ برائحة الورق، كأنّه خرج لتوّه من بين دفّتي كتاب .
حين ننتهي من أعباء الأعمال اليومية ، ونستعيد شيئًا من دفء الأسرة ، ووجبة العشاء الأخيرة نحتضن فنجان القهوة بسعادة ثم تأخذنا خطواتنا إلى سقف العزلة مكتبة المنزل لنكمل سهرة البارحة حيث لا ضجيج إلا همس الصفحات فنعود إلى صفحة الأمس؛ تلك التي توقّفنا عندها، وقد تركنا على هامشها فاصل ريشة، أو أقلامنا الرصاص، كأننا نضع إصبعًا على شرفات أرواحنا .
نستأنف القراءة والقلم رفيقٌ لا يهادن؛ نخطّ تحت معلومة ونستفهم أخرى ، ونضع علامة استفهام على فكرة لم تُقنعنا، ثم نكتب في الهامش رأينا القاطع بأسلوب المثقف المعارض الذي لا يمرّ على الأفكار مرور العابرين .
نقرأ، فنحاور الكتاب. نختلف معه، فنزداد قربًا منه ، نضع هوامشنا على صفحاته .
حتى تأتي ساعة النوم لنغلق الكتاب، ونترك الإنارة الخافتة تنسحب ببطء من المكان ثم نخلد إلى نومٍ طويل، روّضته فكرةٌ جميلة ، وسكنته جملة ، وأيقظته أخرى .
مشهدٌ لا تنساه ذاكرة القارئ المُتمكن في زمن الجريدة والصحيفة والكتاب و المجلة؛ حين كان للخبر رائحة عميقة يتأرجح شذاها بين المعلومة والرأي العام .
ثم جاءت الحضارة بمتحوّلاتها ، فانتقل الخبر ، والمعلومة ، والرأي العام من الورق إلى الشاشة شاشةٌ تسترقنا من هدوئنا، وتقتحم عزلتنا بإشعاراتها المتلاحقة، وتضع العالم كله في راحة اليد.
وفي المقابل، انقشع من الداخل ذلك الهدوء الذي كان يصاحب قارئ الجريدة والمجلة الورقية .
فتحوّلت العزلة إلى ضجيج والصفحة إلى نافذة مفتوحة على عشرات النوافذ، والعنوان إلى طُعمٍ سريع ، والقراءة إلى سباقٍ مع الزمن.
أصبحنا نقرأ أسرع ، لكن هل ما نسبة ارتشافها للمعلومة ؟
للأسف من منظوري الخاص أرى أن السرعة سرقتنا من عمق المعرفة، ومن شغف المعنى، ومن ذلك التلذذ البطيء بما أراد الكاتب أن يقوله. صرنا نلتقط العناوين كما تُلتقط الأشياء العابرة، وننتقل من نصٍ إلى آخر قبل أن يستقر الأول في أرواحنا .
ولعلّي أصافحكم هنا بسؤال أو عدة اسئلة هامة . هل يستطيع الأدب العميق أن ينافس المحتوى السريع؟
وهل كل من ضغط إعجاب على مادة أدبية أو خبر إعلامي هو قارئٌ فعلًا ، أم أنه مجرد متابعٍ مرّ من هنا ترك أثر إصبعه وغادر دون أن يترك فيه أثر النص .
هل تستطيع المنصة الرقمية أن تعيد القارئ إلى الكتاب، أم أنها ستظلّ محطةً أخرى في طريق ابتعاده عنه؟
ولعلّ ما يثير التأمل أنني رأيت حزن المتابعين على رحيل الصحف والمجلات الورقية، تلك التي تأهبت لنومٍ طويل وكأننا اكتشفنا متأخرين أن الأشياء التي اعتدنا وجودها كانت تحمل جزءًا من ذاكرتنا .
هل مضى القارئ مع آخر صفحة ورقية توقف عندها .،؟!



