كتاب الرأي

{وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ}.. رثاء جرير ودموع دوستويفسكي المتأخرة!

زاوية: جمعتنا آية
                ✍️حسن المقصودي-كاتب رأي: 

في غمرة الركض الدنيوي الشديد، يرتدي الإنسان دروع العناد والوعيد، ويُهمل لغة الصفح والتسديد، متناسياً أن الموت حبلٌ من وريد. هذه المفارقة العجيبة، تجعل نفوسنا بالكلمة الطيبة ضنينة، حتى إذا ما غيّب الثرى الوجوه الحبيبة، انهمرت دموعنا سكيبة، وانقلبت القسوة رقة عجيبة! وكأننا لا نعرف قيمة الأخلاء، إلا بعد عروجهم إلى السماء.

إفاقة على عتبات الغياب
لعقود طوال، ملأ الشاعران جرير والفرزدق الدنيا بخصومتهما العريضة، وأشعارهما النقيضة. ووصل الأمر بجرير أن قال متهكماً قبل سنوات من رحيلهما: إذا مات الفرزدق فارجموه. لكن الصدمة الكبرى تجلت حين غيّب الموت الفرزدق في رمسه، فما رجم جرير قبر صاحبه عند سماع أَمسه، بل تصدعت نفسه، وانفجر باكياً يرثي شطره الإبداعي وأنسه: لعمري قد أشجى تميمًا وهدّها.. موت الفرزدق.
هذا الانقلاب الشعوري السريع، يترجم بدقة المقولة الشهيرة المنسوبة للروائي الروسي دوستويفسكي: الجميع لديه شيء جميل ليقوله عنك، لكن عليك أن تموت أولاً. إنه ثناء مؤجل، ونبل ممهل، لا يجد طريقه إلى الظهور، إلا فوق خشب النعوش، والنزول إلى القبور !

بين التطهير الإلهي والتقصير البشري
حين نقرأ قوله تعالى في وصف النعيم الأسمى لأهل الجنان: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ}، ندرك أن صفاء القلوب من الضغائن، هو منتهى التكريم من الخالق الكائن، في دار لا كدر فيها ولا غبائن. وإذا كان هذا التطهير الكامل مقصوراً على الآخرة دار القرار، فإن فيه لقلوبنا في الدنيا أبلغ اعتبار؛ فلماذا ننتظر دائماً صدمة الوفاة، وسلطان الفناء، لتنزع من نفوسنا الأحقاد قسراً تحت لواء البكاء؟إننا نعيش في مجتمعات تبخل بالثناء على الحي في زمانه، وتشح بالمسامحة على القريب في أوانه، حتى إذا رحل عظمته بلسانه، وبكته بأشجانه! هذا الجفاف ليس فضيلة بل رزيّة، هذا الجفاف ليس فضيلة بل رزيّة، فما نفع رَشِّ الماء البارد على التُّراب والضَّريح، إذا كُنا قد أَسقينا المرارة للحي الجريح ؟

خاتمة: نحو مودة حاضرة
إن المأمول اليوم، ونحن نعيش بركة يوم الجمعة الميمون، ونتدبر عمق هذا النص القرآني المصون، أن نخرج من مضيق الندم المتأخر وبكاء العيون، إلى رحاب المودة الحاضرة والصفح المأمون. لنطهر القلوب من العتب، ولننزع من الصدور لظى الغضب، قبل أن يسبقنا الفقد وينقطع السبب.
لنبدأ اليوم بكلمة حانية، ونداء اعتذار، ومسامحة حقيقية والأحياء بيننا يمشون عياناً، لنفوز بالوعد الرباني في الآخرة إخواناً على سرر متقابلين جلالاً وإكباراً.
والسلام ؛؛؛

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى