في العالم الآخر للحياة العصرية هذي الحياة اليومية في الباحة

✍️علياء الغامدي – كاتبة رأي :
في عالمٍ تتسارع فيه الحياة حتى تكاد تسبق أصحابها، وتُقاس الأيام بعدد المواعيد والإشعارات،وتصبح الراحة ترفًا مؤجلًا،تقف الباحة في الجهة الأخرى من المشهد كأنها صفحةٌ لم تُفسدها عجلة الزمن.
هنا لا تشبه الحياة نفسها في المدن التي اعتادت أن تستيقظ على ضجيج المنبّهات،وتنام على أضواء الشاشات،
ففي الباحة للصباح طقوسه، وللضباب حضوره، وللجبال هيبتها،وللوقت معنى أكثر هدوءًا.
تفتح المدينة عينيها على نسمةٍ باردة، تتسلل بين الأشجار، وتعلّق شيئًا من الضباب على كتف الجبل،تمضي الحياة ببساطتها الأولى قهوةٌ تُعدّ على مهل، وحديثٌ لا تقطعه عجلة،ووجوهٌ تعرف بعضها،وطرقاتٌ لا تبدو وكأنها في سباقٍ مع أحد.
في الباحة يبدو أن الإنسان ما زال يملك رفاهية أن يعيش اللحظة بدل أن يوثّقها.
تجلس في مكانٍ مرتفع فتشعر أن العالم قد ابتعد قليلًا،وأن الضوضاء التي أثقلت رأسك طوال اليوم لم تصل إلى هنا،
أمامك جبالٌ تتعانق،وغيومٌ تمرّ كأنها رسائل سماوية، وأشجارٌ تقف شامخةً وكأنها تعرف سرّ البقاء.
إنها حياةٌ لا تحتاج كثيرًا من الزينة يكفيها أن تكون حقيقية.
وفي الأسواق والطرقات والمقاهي تستمر الحياة اليومية بتفاصيلها الصغيرة، بائعٌ يبتسم، رجلٌ يحتسي قهوته، عائلةٌ تبحث عن دفء المكان،وشابٌّ يراقب الغروب وكأنه للمرة الأولى يكتشف أن الجمال لا يحتاج إلى موعد.
هنا حتى التفاصيل العابرة تملك شيئًا من الشعر.
قد تمرّ بجانب نافذةٍ وتلمح خلفها ضوءًا أصفر دافئًا، فتشعر أن بيتًا ما يحرس ذاكرةً قديمة،وقد تعبر طريقًا تحفّه الأشجار فيخيل إليك أنك تمشي داخل قصيدةٍ كتبتها الطبيعة قبل أن يعرف الإنسان معنى الكتابة.
ولعل أجمل ما في الباحة أنها لا تحاول أن تكون مدينةً عصريةً بأي ثمن،فهي تمضي نحو المستقبل لكنها لا تتخلى عن روحها.
تتغير الملامح،تتسع الطرق،تتطور الخدمات،وتأتي التقنيات الحديثة بكل ما تحمله من سرعة ،ولكن في العمق يبقى شيءٌ ثابت:ذلك الإحساس بأن للحياة هنا قلبًا أبطأ قليلًا، وأكثر إنسانية.
في العالم الآخر للحياة العصرية حيث كل شيءٍ سريع، تبدو الباحة وكأنها تقول لنا:
ليس كل ما يتأخر عن الركض متأخرًا عن الحياة.
فبعض المدن لا تُقاس بما أنجزته في يوم بل بما تمنحه للروح في لحظة.
والباحة واحدةٌ من تلك المدن التي إذا غادرتها،تركت شيئًا منك بين جبالها،ومضيت وأنت تلتفت إلى الخلف لا لأنك نسيت شيئًا بل لأنك شعرت أن الحياة هناك كانت أقرب إلى ما يجب أن تكون عليه.
هناك،حيث الضباب يلامس الجبل، وحيث القهوة تُشرب على مهل،وحيث المساء يأتي بلا ضجيج…
تكتشف أن أجمل ما في الحياة ليس أن نعيشها أسرع، بل أن نشعر بها أكثر..”
للتواصل [email protected]



