الذكاء الاصطناعي ..الواقع والمأمول

✍️ رشيد محمد آل جلي – كاتب سعودي :
الذكاء الاصطناعي طفرة معلوماتية غير مسبوقة في عالم المعرفة، ولقرونٍ خلت ظل البحث عن المعلومة يمر بسلسلة من تقليب الصفحات والأوراق والمجلدات بحثًا عن الحقيقة، ثم تأتي مرحلة التدوين والحفظ التي قد يعتريها الفقد في أي لحظة. وهكذا استمر الحال حتى شهدنا عصر التقنية الحديثة، وتدفق المعلومات، والسيل الجارف من الأخبار والمدونات من مصادر شتى ومشارب مختلفة.
ولأن لكل جديدٍ محاسنه ومضاره، فالذكاء الاصطناعي كذلك؛ إلى جانب فوائده الجمّة، فله أيضًا مساوئ كثيرة لمن اعتقد أنه المرجع الذي لا يخطئ، والمصدر الموثوق على إطلاقه، والمستشار الأمين في كل شأن.
لقد اختصر الذكاء الاصطناعي الزمن بصورة مذهلة، وسهّل الوصول إلى المعرفة، وساعد في مجالات الطب والهندسة والتعليم والبحث العلمي والإدارة والإعلام، وأصبح معينًا للباحث والطالب والكاتب والطبيب والمهندس، بل وأسهم في رفع الإنتاجية وتسريع الإنجاز وتقليل الجهد والتكلفة في كثير من الأعمال.
ومع ذلك، فإن الخطأ لا يكمن في التقنية نفسها، وإنما في طريقة استخدامها. فالذكاء الاصطناعي لا يملك عقلًا مستقلًا، ولا ضميرًا أخلاقيًا، ولا قدرة على التمييز المطلق بين الحق والباطل، وإنما يعالج ما أتيح له من بيانات، ويقدم نتائج قد تكون دقيقة، وقد يشوبها النقص أو الخطأ أو التحيز.
ومن أكبر المخاطر أن يتحول الإنسان من مستخدمٍ للتقنية إلى تابعٍ لها، فيسلّم لها عقله، ويعطل ملكة التفكير والنقد والتحليل، ويكتفي بما تقدمه له دون مراجعة أو تمحيص. وهنا يصبح الخطأ مضاعفًا؛ لأن المعلومة الخاطئة إذا صيغت بأسلوب مقنع قد تبدو للقارئ حقيقة لا تقبل النقاش.
كما أن الذكاء الاصطناعي قد يُستغل في إنتاج الأخبار الكاذبة، وتزييف الصور والمقاطع المرئية والصوتية، وانتحال الشخصيات، وصناعة الشائعات، وهو ما يفرض على المستخدم قدرًا عاليًا من الوعي والمسؤولية، خاصة في زمن تنتشر فيه المعلومة في دقائق، بينما يحتاج تصحيحها إلى أيام، وربما لا يُدركها الجميع.
ومن المخاطر أيضًا الاعتماد عليه في إصدار الفتاوى أو الأحكام الشرعية أو الطبية أو القانونية دون الرجوع إلى أهل الاختصاص، فهذه المجالات لا تحتمل الاجتهاد الآلي المجرد، بل تحتاج إلى علم راسخ، وخبرة، وفهم للواقع، وإدراك للملابسات التي قد لا تستطيع الآلة الإحاطة بها.
إن الذكاء الاصطناعي مساعدٌ بارع، لكنه ليس بديلًا عن العقل البشري، وهو أداة قوية، لكنها ليست معصومة من الخطأ. وكلما ازداد تطور التقنية، ازدادت الحاجة إلى إنسان أكثر وعيًا، وأعمق فكرًا، وأشد التزامًا بالقيم والأخلاق.
ومن الحكمة أن نتعامل مع الذكاء الاصطناعي كما نتعامل مع أي وسيلة نافعة؛ نستفيد من إمكاناته، ونراجع مخرجاته، ونتحقق من معلوماته، ونحتكم إلى المصادر الموثوقة عند القضايا المهمة. فالتقنية حين تكون في يد الإنسان الواعي تصبح وسيلة للبناء، أما إذا قادت الإنسان بدل أن يقودها، فقد تتحول إلى مصدرٍ للالتباس والضياع.
ويبقى العقل البشري، بما وهبه الله من قدرة على التفكير والتمييز، هو الحكم الأخير، فلا يجوز أن نتنازل عنه لصالح آلة، مهما بلغت دقتها، ولا أن نغفل أن الحقيقة لا تُعرف بكثرة ما يُكتب عنها، وإنما بصحة الدليل وصدق المصدر.
وفي النهاية، فإن الذكاء الاصطناعي ليس عدوًا يجب أن نخشاه، ولا معجزةً ينبغي أن نقدّسها، بل هو نعمة من نعم الله إذا أُحسن استخدامها، وقد يتحول إلى نقمة إذا أسيء توظيفها. فالمستقبل لن يكون لمن يملك التقنية فقط، وإنما لمن يحسن توجيهها، ويوازن بين سرعة الآلة وحكمة الإنسان، وبين وفرة المعلومات وبصيرة العقل.
للتواصل : [email protected]



