﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾

زاوية : “جمعتنا آية”
✍️حسن المقصودي-كاتب سعودي:
نداء الفطرة الأولى
في مطلع كل جمعة ندية، تسكن النفوس الأبية، وتتطلع الأفئدة لهدايات علوية، تنتشلها من صخب الحياة الدنيوية. حينها، يقرع الآذان نداء سماوي رحيم، يمحو عصبيات الجاهلية، ويهدي للصراط المستقيم: ﴿يا أيها الناس﴾. هو خطاب يصهر الفروق، ويجلي الحقوق، ويعيد البشرية إلى رحمها الأول، بلا تمايز بعرق، ولا تفاخر بفرق، فوق هذا الكوكب المتحول، بل كلنا في أصل الخلقة سواء، غذاؤنا هذا الضياء، ومصيرنا إلى رب السماء.
فلسفة الاختلاف النبيل
لم يكن تعدد الألوان واللغات، وتباين الأعراق واللهجات، إلا آية من آيات الحكيم القدير، ودليلاً على تدبير اللطيف الخبير. لقد صاغنا الله شعوباً طامحة، وقبائل بالخير مادحة، لا لنتباغض ونتناكر، ولا لنتباعد ونتدابر، بل لنبني من التباين جسوراً لا تهدم، ونعقد من الاختلاف مزيجاً لا يهزم. فالنقص فيك يكمله السخاء في، والعجز عندي تسده القوة لديك، هكذا هي دورة الحياة مستقرة، وعلى قواعد الاتصال مستمرة.
هندسة التعارف القرآني
التعارف في لغة التنزيل، ليس اسماً عابراً في الدفاتر، ولا رسماً طافياً في الخواطر، بل هو فلسفة عيش تتجاوز ظاهر الأبدان، لتغوص في جوهر الإنسان. إنه الانفتاح الواعي، والإنصات الذكي، والسعي الدؤوب لتقريب المسافات، وتأليف الشتات. فمتى ما عرفت أخاك حق المعرفة، زالت جهالة التصنيف، وغابت ريبة التخويف، وحلت مكانها المودة الراقية الشريفة، والصلات العفيفة.
الخاتمة:
أيا من جمعتنا هذه الآية على مائدة الهداية، وبصرتنا ببدائع البداية والنهاية، تدبر لفظها المجيد، وتأمل غرسها الفريد، فالعبرة فيها لا تقف عند تلاوة الحروف وترتيلها، بل في تقويم سلوك النفوس وتحويلها.
فيا ابن آدم: طهر فؤادك من وساوس الأضغان، وزين لسانك بعذب البيان، واعلم أن الرفعة ليست بحسب نسيب، ولا بجاه عريب، بل بقلب نقي تقي، وفعل زكي علي.
فلنمد كفوف الوصال، ولنهجر قبيح الخصال، ولنبن في محافل الأيام رباطاً متيناً، يبقى على تقلب الأزمان حصناً حصيناً، نلتقي فيه إخوة متعارفين، وعلى مبادئ الحق والود متآخين، فسبحان من جعل التنوع آية، وصير التعارف غاية، وأنزل الكتاب هدى ونوراً للعالمين.
والسلام ؛؛؛
للتواصل : [email protected]



