حين يصبح كل شيء استثنائيًا

✍️أ- امال باربود – كاتبة رأي :
حين تفقد الكلمات مقاييسها، لا تفقد اللغة دقتها فحسب، بل نفقد نحن شيئًا من قدرتنا على رؤية الأشياء بحجمها الحقيقي.
نعيش اليوم وسط لغة تميل إلى المبالغة؛ فالحدث لا يكفي أن يكون مهمًا، بل يُقدَّم بوصفه استثنائيًا، والنجاح لا يكفي أن يكون جيدًا، بل يتحول سريعًا إلى إنجاز غير مسبوق، حتى الموقف العابر قد يُحمَّل من الوصف أكثر مما يحتمل.
ومع تكرار هذا الأسلوب، لا تتغير اللغة وحدها، بل تتغير علاقتنا بالأشياء أيضًا. فاللغة لا تصف الواقع فحسب، وإنما تسهم في تشكيله داخل وعينا. وحين نرفع درجة الوصف باستمرار، نرفع معها درجة الانفعال؛ فيبدو العادي أكثر إثارة، والمحدود أكثر اتساعًا، والمؤقت أكثر خطورة.
ومع الوقت، تبدأ المفردات نفسها في فقدان قيمتها. فالكلمات التي كان يفترض أن توقظ انتباهنا عند الضرورة تصبح مألوفة من كثرة استخدامها، فلا تعود قادرة على أداء دورها حين يأتي ما يستحقها فعلًا.
ويزداد هذا الأثر وضوحًا في الفضاء الرقمي، حيث تدفع المنافسة على الانتباه إلى العنوان الأعلى صوتًا، والوصف الأكثر إثارة. لكن ما ينجح في جذب النظر للحظة، لا ينجح بالضرورة في بناء وعي أكثر دقة.
من هنا، لا تكمن قوة اللغة في تضخيم الأشياء، بل في منحها حجمها الحقيقي. فالكلمة المؤثرة ليست الأكبر، وإنما الأدق؛ والرسالة الأقوى ليست التي تثير الانفعال فقط، بل التي تترك لدى القارئ فهمًا أوضح لما أمامه.
وربما نحتاج اليوم إلى أن نعيد للأشياء حقها في أن تكون كما هي؛ مهمة دون تهويل، جميلة دون مبالغة، ومؤثرة دون ادعاء الاستثنائية.
فإذا أصبح كل شيء استثنائيًا، لم يعد للاستثناء معنى، وفقدنا معه ميزانًا مهمًا نزن به الأشي
للتواصل : [email protected]



