في وداع نظيرة.. كلماتٌ يعجز عنها الوداع

✍️ طاهرة الشامسي – كاتبة عمانية :
ليس كل وداعٍ يُقال، ولا كل دمعةٍ تُرى، ولا كل حزنٍ يجد طريقه إلى الكلمات. هناك لحظاتٌ يقف فيها الحرف صامتًا، ويعجز القلم عن رسم ما يكنن في القلب، لأن الفقد أكبر من اللغة، والغياب أوسع من أن تحتويه العبارات.
واليوم، ونحن نودّع زميلتنا الغالية نظيرة الحارثية، نشعر أن الكلمات تتبعثر أمام هيبة الرحيل، وأن الوداع نفسه يقف عاجزًا عن أداء مهمته. كيف نودّع من كانت حضورًا جميلًا في أيامنا؟ وكيف نقنع قلوبنا أن من اعتدنا وجودها لن تعود لتشاركنا حديثًا، أو ابتسامة، أو موقفًا عابرًا أصبح اليوم ذكرى لا تتكرر؟
إن الموت حقيقةٌ لا يختلف عليها اثنان، وسنةٌ ماضية على جميع الخلق، لكن الحقيقة حين تطرق أبوابنا باسم شخصٍ نعرفه، ونحبه، ونألف وجوده، تصبح أشد وقعًا، وأكثر إيلامًا. عندها ندرك أن الحياة مهما طالت قصيرة، وأن الإنسان لا يملك منها إلا ما يتركه من أثرٍ طيب، وسيرةٍ حسنة، وذكرٍ جميل.
رحلت نظيرة، لكنها لم ترحل من القلوب. فالذين يزرعون المحبة في الأرواح، لا تمحوهم المسافات، ولا يطويهم الغياب. يبقون في تفاصيل الأماكن، وفي زوايا الذاكرة، وفي الدعوات التي تخرج من أعماق القلوب دون موعد.
سنفتقد حضورها في المخيمات الكشفية، وسنفتقد تلك اللحظات التي جمعتنا بها في ميادين البرامج، وسنفتقد الاسم الذي اعتدنا أن نسمعه بيننا. سيبقى هناك مقعدٌ خالي يذكرنا بها، وحديثٌ لها يعيدها إلى الذاكرة، وموقفٌ يجعلنا نبتسم ثم نبكي لأن صاحبة الذكرى أصبحت في رحاب الله.
كم هو مؤلم أن يرحل الإنسان فجأة، تاركًا خلفه قلوبًا لم تكن مستعدة للفراق. فالموت لا يستأذن أحدًا، ولا يمنحنا فرصةً لنقول كل ما نريد قوله، لذلك تبقى في داخلنا كلماتٌ كثيرة لم تُقل، وامتنانٌ لم يُعبّر عنه، ودعواتٌ نتمنى لو وصلت قبل الرحيل.
وربما أجمل ما يتركه الإنسان بعد رحيله ليس مالًا، ولا منصبًا، ولا شهرةً زائلة، بل قلبًا أحبه الناس، وسيرةً يشهدون لها بالخير، وابتسامةً كانت تخفف عن الآخرين أثقال الحياة. وهذا هو الإرث الحقيقي الذي لا يزول، لأن الله يبارك في الأثر الطيب، ويجعله حيًا في قلوب عباده.
نظيرة.. لعل روحك الآن في عالمٍ لا يعرف التعب، ولا الألم، ولا ضجيج الدنيا. نسأل الله أن يبدلك دارًا خيرًا من دارك، وأهلًا خيرًا من أهلك، وأن يجعل قبرك روضةً من رياض الجنة، وأن يفيض عليك من رحمته ما يطمئن روحك إلى يوم يبعثون.
أما نحن، فسنواصل الحياة كما أرادها الله، لكننا سنحمل معنا ذكراك بكل وفاء. سنذكرك في الدعاء، وفي المواقف الجميلة، وفي كل مرة نتحدث فيها عن الأخلاق الطيبة، لأن الإنسان قد يغيب بجسده، لكنه يبقى بما زرعه من خير.
لقد علمتنا الحياة أن الأعمار ليست بعدد السنوات، بل بما نمنحه للآخرين من محبة، وما نغرسه في قلوبهم من أثر. وهناك أشخاصٌ يرحلون مبكرًا، لكن ذكراهم تعيش طويلًا، لأنهم مرّوا بالحياة بخفة المؤمن، ونقاء القلب، وصفاء الروح.
أيها الراحلون، ما أصعب الدرس الذي تتركونه لنا. تذكروننا بأن الدنيا محطة عبور، وأن كل لقاءٍ يعقبه فراق، وأن البقاء لله وحده. وتعلموننا أن نسامح، وأن نحب، وأن نعتذر، وأن نقول الكلمات الجميلة قبل أن يصبح الوقت متأخرًا، فكم من كلمة احتفظنا بها حتى سبقنا إليها القدر.
وفي وداعك يا نظيرة، لا نقول إلا ما يرضي ربنا. نسأل الله أن يتقبلك بواسع رحمته، وأن يجعل كل لحظة خيرٍ صنعتِها في ميزان حسناتك، وكل ابتسامة رسمتها في وجوه الآخرين نورًا لك في قبرك، وكل دعاء يخرج من قلبٍ أحبك شاهدًا لك لا عليك.
ختامًا..
وداعًا يا نظيرة، وإن كان الوداع يعجز عن وصف ما نشعر به، فإن الدعاء لا يعجز. سنرفع أكفنا إلى السماء، ونقول: اللهم اغفر لها، وارحمها، وعافها، واعف عنها، وأكرم نزلها، ووسع مدخلها، واغسلها بالماء والثلج والبرد، ونقها من الذنوب والخطايا كما يُنقّى الثوب الأبيض من الدنس، واجعلها في الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.
سلامٌ على روحٍ غادرت الدنيا، وبقيت في القلوب ذكرى عطرة، وسلامٌ على اسمٍ سيظل كلما ذُكر ارتفعت معه أكف الدعاء، وسلامٌ على الراحلين الذين علّمونا أن أجمل ما يبقى من الإنسان بعد رحيله هو الأثر الطيب، والذكر الحسن، والمحبة الصادقة.
رحم الله نظيرة الحارثية رحمةً واسعة، وألهم أهلها ومحبيها وزملاءها الصبر والسلوان، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
للتواصل : [email protected]



