كتاب الرأي

في إصلاح ذات البين.. عندما تغيب نجوم الأرض

✍️ د.سعيد بن عبدالله آل جفشر – كاتب سعودي :

يُعد إصلاح ذات البين من أجلِّ القيم الإسلامية وأعظمها أثرًا في حياة المجتمعات؛ فهو سبيل إلى تأليف القلوب، وإزالة أسباب الشحناء، وتهدئة النفوس، وإخماد الفتن، وحفظ روابط المودة والتراحم بين الناس. وقد عظَّم الإسلام شأنه، وحثَّ عليه، وجعله من أبواب الخير التي يترتب عليها صلاح الفرد والمجتمع.

قال الله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: 114].

وقد حفل المجتمع السعودي برجال كان لهم أثر بالغ في حياة الناس، وتميزت بهم مجتمعاتهم ومناطقهم وقبائلهم دون استثناء؛ رجال عُرفوا بالحكمة، والإصلاح، وحسن السيرة، حتى أصبحت مجالسهم مقصدًا للمتخاصمين، وكلمتهم محل ثقة وقبول، لما عُرف عنهم من تجرد وعدل، وحرص على جمع الكلمة وإصلاح ذات البين.

وإذا كان منار الأرض هو العلامة التي يُهتدى بها في الحدود والطرقات، فإن للأرض منارات من نوع آخر، هم رجالها الصالحون، الذين يهتدي الناس بعقولهم، ويستضيئون بحكمتهم، ويثقون في عدلهم. كانوا يقولون كلمة الحق دون محاباة، ويسعون إلى إحقاق الحق، وإبطال الباطل، وتقريب وجهات النظر، وتهدئة النفوس، ورأب الصدع، وإخماد الفتن قبل أن تستعر.

ومن خلال هذه الأدوار الجليلة، أدى هؤلاء الرجال عملًا اجتماعيًا عظيمًا سبق كثيرًا من المفاهيم الحديثة في الوساطة المجتمعية وتسوية النزاعات، وأسهموا في حفظ النسيج الاجتماعي، وتعزيز التلاحم بين الأسر والقبائل، حتى غدت سيرتهم جزءًا من ذاكرة المجتمع، ومصدرًا من مصادر استقراره.

ولأن السعي في مصالح الناس، وقضاء حوائجهم، وبذل المعروف لهم من أجلِّ الأعمال وأبقاها أثرًا، فقد عبّر الإمام الشافعي، رحمه الله، عن هذا المعنى بقوله:

الناس بالناس ما دامت الحياة بهمُ
والسعد لا شك تاراتٌ وهباتُ

وأفضل الناس ما بين الورى رجلٌ
تُقضى على يده للناس حاجاتُ

لا تمنعنَّ يد المعروف عن أحدٍ
ما دمت مقتدرًا فالسعد تاراتُ

واشكر فضائل صنع الله إذ جُعلت
إليك لا لك عند الناس حاجاتُ

وقد تجسدت هذه المعاني في أولئك المصلحين الذين سخّروا جاههم ووقتهم وخبرتهم لخدمة الناس، ولم ينظروا إلى الإصلاح بوصفه منزلة اجتماعية أو وجاهة، بل عدّوه أمانة ومسؤولية، وبابًا من أبواب المعروف وقضاء الحاجات.

ومع رحيل جيل بعد جيل من هؤلاء المصلحين، يبرز سؤال مهم: هل وثّقنا تجاربهم؟ وهل حفظنا إرثهم للأجيال القادمة؟ إن هذا الموروث الاجتماعي الثري يستحق أن يكون موضوعًا للدراسة الأكاديمية والبحث العلمي، وأن تُوثق تجاربه، وتُستخلص قواعده، ويُعنى به الباحثون، بوصفه أحد روافد الأمن الاجتماعي، ما دام منضبطًا بأحكام الشريعة الإسلامية، ومنسجمًا مع أنظمة الدولة، التي جعلت القضاء المرجع في الفصل في الحقوق، مع بقاء الصلح والإصلاح بين الناس من أجلِّ الأعمال وأعظمها أجرًا.

ومن هنا، فإن الحاجة اليوم ليست إلى استنساخ الماضي، وإنما إلى الاستفادة من تجاربه الناجحة، وإبراز النماذج المضيئة التي أسهمت في صناعة السلم الاجتماعي، حتى يبقى هذا الإرث حاضرًا في الذاكرة الوطنية، ومصدر إلهام للأجيال القادمة.

وفي هذا المقام، أقف إجلالًا ودعاءً لعدد من أولئك الرجال الذين كان لهم أثر مشهود في الإصلاح بين الناس؛ فمنهم من عرفه الإعلام، ومنهم من بقي أثره محفوظًا في صدور الناس أكثر مما هو مكتوب في الصحف.

وكنت أود أن أذكر أسماء بعض هؤلاء الرجال الذين كانوا نجومًا مضيئة في هذه الحياة، ولو كان ذلك من باب الذكر لا الحصر؛ فهؤلاء الأعلام الذين كانوا مراجع للحقوق، ومقاصد لإصلاح ذات البين، أكثر من أن تحيط بهم هذه الكلمات. وإن استحضار نماذج مضيئة من رجال تركوا بصماتهم في مجتمعاتهم، وأسهموا في جمع الكلمة، وإطفاء الفتن، وإصلاح ذات البين، واجب تفرضه علينا أمانة الكلمة الصادقة.

فليس كل من يرحل يُفقد، وإنما يُفقد أولئك الذين كانوا يصنعون الفرق في حياة الناس، ويجمعون الكلمة، ويطفئون نيران الخصومات، ويقودون مجتمعاتهم بالحكمة، ورجاحة العقل، وصفاء المقصد. هؤلاء هم نجوم الأرض الذين، وإن غابوا بأجسادهم، بقي أثرهم شاهدًا على ما قدموه من خير وإصلاح.

فرحم الله هؤلاء الأعلام جميعًا رحمة واسعة، وجعل ما قدموه في موازين حسناتهم، وجزى كل مصلح خير الجزاء. وأسأل الله أن يهيئ لمجتمعاتنا في كل زمان رجالًا يحملون همَّ الإصلاح، ويقولون كلمة الحق، ويغلبون صوت الحكمة على صوت الخصومة، ويجعلون من العدل والإنصاف سبيلًا، ومن الإصلاح بين الناس رسالة خالصة لوجه الله تعالى؛ تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾، وقول النبي ﷺ: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ إصلاح ذات البين».

فالمجتمعات لا تُصان ولا تُحمى بقوة الأنظمة وحزم تطبيقها وحدهما، وإنما تُصان كذلك برجال إذا حضروا أصلحوا، وإذا تكلموا أنصفوا، وإذا حكموا عدلوا، وإذا رحلوا تركوا فراغًا لا يملؤه إلا رجال يسيرون على نهجهم، ويحملون رسالتهم في الإصلاح، وجمع الكلمة، وخدمة المجتمع.

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى