﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾
من غراس الدنيا إلى غراس الآخرة: كيف نسد فجوة رحيل الأولين؟

زاوية “جمعتنا آية” :
✍️حسن المقصودي-كاتب سعودي:
عندما نتأمل قوله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾، ندرك أن تنوع الثمار والفواكه هو ذروة النعيم البصري والغذائي في الجنة. وإذا التفتنا إلى واقعنا، وجدنا أن أجدادنا وآباؤنا قد حاكوا هذا النموذج القرآني في قراهم وهجرهم؛ فبذروا شتى أصناف المزروعات، وشقوا قنوات الماء، وعمروا الأرض بكد أيديهم وعرق جباههم، لتجود عليهم الأرض بخيراتها المتنوعة وتكون مصدر رزق وحياة.
بيد أن غراس الأجداد والآباء لم يكن طيناً وشجراً فحسب؛ بل كان غراساً موصولاً بالآخرة. كان أحدهم يضرب بمسحاته الأرض وفمه يجلجل بـ لا حول ولا قوة إلا بالله، ويسقي زرعه وهو يسبح، ويحصد ثمار جهده وهو يحمد، ويستظل تحت الشجر مهللاً ومكبراً. كانت الطرقات والمجالس تنبض بذكر الله، فحلّت البركة في الرزق القليل، وبقيت آثارهم شاهدة على تقواهم.
كيف تشكلت الفجوة في القرى والهجر؟
بعد رحيل الرعيل الأول، حدثت فجوة عميقة نراها اليوم في مظهرين:
١- الفجوة المادية (موت الأرض):
هُجرت القرى والمزارع، وتلاشت ملامح الكدح القديم، وتحولت بعض الهجر الخصبة إلى أماكن موحشة تفتقد أصحاب الغرس الذين رحلوا وتركوا الأمانة خلفهم .
٢- الفجوة الروحية.
(خفوت الذكر):
غاب الصوت المجلجل بالباقيات الصالحات عن الطرقات والجلسات، واستُبدل ضجيج الحياة الحديثة وانشغال الهواتف بذكر الله، ففقدت الأماكن ذلك النور الروحي الذي كان يملأ جنباتها.
كيف نسد هذه الفجوة بعد رحيل الأولين؟
إن الوفاء للأجداد والآباء لا يكون بالبكاء على الأطلال، بل بإحياء الغرسين: غرس الدنيا، وغرس الآخرة. ونستطيع سد هذه الفجوة عبر الخطوات التالية:
١- إحياء غرس الدنيا (بر الأجداد في ممتلكاتهم)
-استصلاح مزارعهم وتنوعها: ألا تترك أرض الجد مهجورة؛ بل يُعاد استزراعها بشتى أنواع المزروعات والمحاصيل التي تجود بها تلك البيئة، ولو من باب التنزه العائلي أو الاستثمار الصغير، لتظل الأنفاس متصلة بالمكان .
-إحياء المجالس القديمة: إعادة تهيئة البيوت والمجالس القديمة في القرى لتجتمع فيها العائلة في الإجازات، فلا تموت الهجر برحيل أهلها.
٢- إحياء غرس الآخرة (امتداد الصوت والذكر)
-توريث الباقيات الصالحات للأبناء: أن نحيي في بيوتنا الحديثة ما كان يفعله الأجداد؛ فنعلّم أولادنا أن الحركة والعمل لا ينفصلان عن الذكر، وأن “سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر” هي الغراس الحقيقي الذي ينتظرنا هناك عند النعيم اليقيني.
-الصدقة الجارية بنية غراسهم: حفر الآبار، أو سقاية الماء، أو غرس الأشجار والمزروعات النافعة في الأماكن العامة بنية الأجداد، ليظل أجر غرسهم الدنيوي ممتداً في الآخرة.
-سد فجوة الجفاء بصلة الرحم المكاني”الزيارات الدورية للهجر والقرى: تنظيم رحلات منتظمة للأبناء والأحفاد لزيارة قرى الأجداد، والوقوف على غراسهم، والدعاء لهم، وقص حكايات كفاحهم وتقواهم، حتى لا تنقطع الصلة الوجدانية بين الأجيال.
خاتمة:
لقد رحل الأجداد بعد أن أدوا الأمانة؛ غرسوا في الدنيا لنأكل، وغرسوا في الآخرة ليرحلوا مطمئنين. وهذه الفجوة لن تُسد إلا إذا تحولنا نحن إلى “غارسين” مثلهم، نملأ الأرض عملاً، ونملأ الجلسات والطرقات بـ لا حول ولا قوة إلا بالله، لتظل ذكراهم حية، ومستقبل أبنائنا موصولاً برحاب الجنة ونعيمها.
والسلام ؛؛؛
للتواصل : [email protected]



