كتاب الرأي

الدرعية .. أنموذج سعودي في صناعة الوجهات العالمية

✍️بدرية سلطان المعجل – كاتبة سعودية :

تُعدُّ الدرعية مدينةً تاريخيةً عريقةً تقع على أطراف مدينة الرياض، وتجسد أصالة العمارة النجدية التقليدية المشيدة بالطين، بما تحمله من جمالٍ معماري يعكس هوية المكان وعمق تاريخه. فهي ليست مدينةً تحفظ آثار الماضي فحسب، بل ذاكرة وطن، ومهد حضارة، وشاهدٌ حيٌّ على بدايات الدولة السعودية الأولى
فالدرعية ليست مجرد موقعٍ تاريخي، بل هي عاصمة الدولة السعودية الأولى، ومنها انطلقت رحلة البناء والتأسيس، لتبقى رمزًا للإرادة الراسخة والعزيمة التي صنعت تاريخ هذا الوطن. واليوم يقف الزائر أمام قصة تحولٍ استثنائية، انتقلت فيها الدرعية من صفحات التاريخ إلى واجهة السياحة العالمية، لتصبح نموذجًا ملهمًا في المحافظة على التراث وتوظيفه في التنمية المستدامة.

وتضم المدينة حي البجيري المُرمَّم، وهو شبكة من الأزقة المتعرجة المخصصة للمشاة، تنتشر على جانبيها المقاهي والمطاعم الراقية والمتاجر الحرفية، في أجواء تستحضر روح المكان وتفاصيله الأصيلة. كما تحتضن متحف الدرعية، الذي كان في الأصل قصرًا تاريخيًا، وأصبح اليوم نافذةً تُوثق مسيرة الدولة السعودية، وتروي للأجيال قصة وطنٍ صنع أمجاده عبر القرون.

وتحتضن الدرعية القديمة ثمانية أحياء تراثية يعود تاريخها إلى مئات السنين، يتصدرها حي الطريف التاريخي، المدرج في قائمة التراث العالمي لليونسكو منذ عام 2010م، والذي أصبح مقر الحكم وعاصمة الدولة السعودية الأولى عام 1180هـ في عهد الإمام (عبدالعزيز بن محمد بن سعود) ويتميز الحي بعمارته النجدية الأصيلة، التي شُيدت جدرانها من الطين والأحجار، واستُخدمت جذوع النخيل في بناء أسقفها، في نموذج معماري يجسد براعة الإنسان في توظيف البيئة المحلية، ويعكس هويةً عمرانيةً سعوديةً متفردة.
أما حي البجيري، فقد ارتبط اسمه بالعلم والثقافة، إذ كان أحد أبرز مراكز المعرفة في عصر الدولة السعودية الأولى كما يضم الحي معالم تاريخية بارزة، من أهمها مسجد الظويهرة، الذي يعود بناؤه إلى عهد الدولة السعودية الأولى، وقد خضع لأعمال ترميم دقيقة حافظت على أصالته وقيمته التاريخية.
ويحظى حي البجيري بإطلالة مباشرة على حي الطريف، حيث يشاهد الزائر قصر سلوى وبيت المال وجامع الطريف، ومن هذه الإطلالة الفريدة انطلقت فكرة إنشاء مطل البجيري، الذي غدا اليوم أحد أبرز الوجهات السياحية والثقافية في المملكة، يجمع بين روعة المشهد التاريخي وتنوع المطاعم والمقاهي العالمية، ليمنح الزائر تجربةً تتناغم فيها أصالة المكان مع رقي الخدمات.

وتحتضن الدرعية كذلك حي غصيبة، أقدم أحيائها التاريخية، إلى جانب (حي سمحان الطيني) المطل على وادي حنيفة، والذي يضم ستةً وثلاثين مبنىً تراثيًا يتراوح ارتفاعها بين طابق وطابقين. وقد أُعيد ترميم هذه المباني بعناية فائقة، مع المحافظة على خصائصها المعمارية الأصيلة، لتظل شاهدةً على حضارة عريقة، تروي للأجيال قصة وطنٍ اعتز بماضيه، وجعل منه أساسًا لمستقبله.
ولا تقتصر الدرعية على إرثها التاريخي، بل تحتضن أيضًا منتزه وادي حنيفة، الممتد على مسافة تقارب ثمانين كيلومترًا، بما يضمه من مساحات خضراء، وبحيرات، وأشجار نخيل باسقة، وممرات للمشاة، ومرافق رياضية وخدمية، ومطاعم ومقاهٍ، ليشكل متنفسًا طبيعيًا يجمع بين جمال البيئة وجودة الحياة، ويمنح الزائر تجربةً متكاملة تمتزج فيها متعة الاسترخاء بسحر الطبيعة.
واليوم تشهد الدرعية تحولًا غير مسبوق، لتصبح وجهةً سياحيةً وتراثيةً وثقافيةً عالمية، حيث يتصدرها مشروع بوابة الدرعية، الذي يهدف إلى إحياء حي الطريف التاريخي، وتطوير مطل البجيري، وإنشاء مرافق نوعية مثل فندق باب سمحان وأرينا الدرعية، بما يعزز مكانة المملكة على خارطة السياحة العالمية، ويجعل الدرعية إحدى أبرز الوجهات الثقافية والسياحية في العالم.

وقد نُفذت هذه المشاريع وفق رؤية عمرانية دقيقة، حافظت على الهوية النجدية الأصيلة، وجمعت بين المباني التراثية والمتاحف والمطاعم والمقاهي في تناغم حضاري بديع، ضمن مشاريع برنامج خادم الحرمين الشريفين للعناية بالتراث الحضاري، لتكون الدرعية شاهدًا حيًا على منجزات وطنية تجسد مستهدفات رؤية السعودية 2030 في رفع جودة الحياة، وتعزيز رفاهية الإنسان، وصون الإرث الحضاري للأجيال القادمة.

إن قصة التحول التي تعيشها عاصمة الدولة السعودية الأولى ليست مجرد مشروع تطوير عمراني، بل هي قصة وطنٍ آمن بتاريخه، واستثمر في إرثه، وجعل من الماضي منطلقًا نحو المستقبل. إنها تجربة حضارية فريدة تستحق أن تُروى، وأن تُرى، وأن تُدرَّس، بوصفها نموذجًا عالميًا في توظيف التاريخ لخدمة التنمية، وتحويل الموروث الحضاري إلى قوة ثقافية وسياحية واقتصادية تعكس مكانة المملكة وريادتها.
فالدرعية اليوم ليست وجهةً للسياحة فحسب، بل رسالة وطنية تؤكد أن الأمم التي تعتز بجذورها، وتحافظ على هويتها، هي الأقدر على صناعة مستقبلها. وما تشهده الدرعية من نهضةٍ متسارعة هو شاهدٌ حي على أن المملكة تمضي بثقة نحو المستقبل، وهي تحمل تاريخها في قلب رؤيتها، وتجعل من إرثها الحضاري مصدر إلهامٍ للأجيال، ومنارةً تُعرِّف العالم بقصة وطنٍ صنع المجد، ولا يزال يواصل صناعة الإنجاز.

حفظ الله المملكة العربية السعودية، وأدام عليها نعمة الأمن والاستقرار، ووفق قيادتها الرشيدة إلى كل خير، وجعل منجزاتها المتتابعة شاهدًا على وطنٍ يصنع المستقبل وهو متمسكٌ بجذوره، معتزٌ بتاريخه، وماضٍ بثقة نحو آفاق الريادة والازدهار.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى