(بين جودة المضمون وفن العبور) “لماذا لا تكفي الخبرة وحدها؟”

✍️أروى بنت مسلط العتيبي-كاتبة سعودية :
ليس أصعب على الإنسان من أن يمتلك ما يستحق ثم يعجز عن إظهاره فكم من سنوات أنفقت في التعلم وكم من تجارب صقلت الخبرة وكم من إنجازات بقيت حبيسة أصحابها لأنهم لم يمتلكوا مهارة العبور بها إلى الآخرين
لقد تغيرت قواعد المشهد المهني فلم تعد الخبرة وحدها كافية كما لم يعد الحديث عنها ترفًا أو نوعًا من التفاخر فبين جودة المضمون وفن تقديمه مسافة ومن يعجز عن اجتيازها قد يخسر فرصًا لا علاقة لها بكفاءته بل بقدرته على إيصالها
لوقت طويل آمن كثير من المهنيين بمقولة إن العمل الجيد يتحدث عن نفسه لكنها في واقع اليوم لم تعد دقيقة فالعمل لا يتحدث وإنما يتحدث صاحبه وإذا لم يُحسن تقديمه فقد يبقى مجهولًا مهما بلغت قيمته
هذه ليست دعوة إلى المبالغة أو صناعة صورة زائفة بل إلى إدراك أن التواصل أصبح جزءًا من الكفاءة نفسها فالخبير الذي لا يستطيع أن يشرح أثر خبرته بإيجاز ووضوح يشبه مؤلفًا ألف كتابًا عظيمًا ثم أخفاه في درج مكتبه منتظرًا أن يعثر عليه الناس مصادفة
إن المشكلة لا تكمن في الخبرة بل في طريقة عرضها فكثير من الخبراء يغرقون في التفاصيل التقنية بينما يبحث المستمع أولًا عن القيمة التي سيحصل عليها لذلك فإن الاحتراف الحقيقي يبدأ بفهم احتياج المتلقي ثم تقديم الخبرة من زاوية أثرها لا من زاوية حجمها
غير أن هذه المهارة ليست موهبة فطرية حكرًا على قلة من الناس بل هي مهارة يمكن تعلمها وصقلها كما تصقل الخبرة نفسها ويبدأ ذلك بإدراك أن الحديث عن الإنجاز ليس تباهيًا وإنما تعريف بالقيمة ثم بالقدرة على اختصار سنوات العمل في رسالة واضحة واستبدال تعداد المهام ببيان الأثر الذي أحدثته تلك المهام فالمتلقي لا يبحث عما فعلته بقدر ما يبحث عما تستطيع أن تضيفه إليه
ولهذا فإن فن اختصار الخبرة لا يعني اختزالها بل يعني تنقيتها من كل ما يحجب جوهرها فالكلمة الدقيقة أقوى من الفقرة الطويلة والمثال الواقعي أبلغ من عشرات الأوصاف والنتيجة الملموسة أقدر على الإقناع من قائمة طويلة بالمهام والمسؤوليات
ومع ذلك فإن الاهتمام بمهارة العرض لا ينبغي أن يتحول إلى احتفاء بالمظاهر على حساب الجوهر فالتسويق الذي لا يسنده علم أو تجربة لا يصمد طويلًا كما أن الخبرة التي لا تجد من يقدمها تبقى حبيسة الظل والنجاح الحقيقي لا يتحقق إلا حين يلتقي العمق بحسن العرض والكفاءة بوضوح الرسالة
إننا اليوم لا نعيش عصر الأكثر معرفة فحسب بل عصر الأقدر على إيصال المعرفة ومن هنا أصبحت القدرة على تقديم الذات جزءًا من الهوية المهنية لا مهارة جانبية يمكن الاستغناء عنها
في النهاية لا تكفي الخبرة وحدها كما لا يكفي حسن الحديث وحده فالخبرة تصنع القيمة والتعبير يمنحها طريقها إلى الناس وحين يلتقي العمق بفن العبور تتحول الكفاءة من إمكانات صامتة إلى فرص حقيقية
وأثر باقٍ
للتواصل: [email protected]



