إضغط 1… إذا أردت أن تفقد صبرك

✍️ ريم منصور سلطان – كاتبة سعودية :
ثمة مفارقة غريبة في عصرنا، فكلما إزدادت وسائل التواصل تطورًا، أصبح الوصول إلى الإنسان أكثر تعقيدًا ، فلم يعد الطريق يبدأ بقول: (السلام عليكم)، لكنه يبدأ بإدخال رقم، ثم رقم آخر، ثم رمز تحقق، ثم قائمة طويلة من الخيارات، ثم إنتظار لا تعرف نهايته، وكأن العالم قرر أن يختبر صبرك قبل أن يعترف بوجودك.
أنا هنا لا أرفض النظام الموحد، ولا أعادي التقنية و إدرك أنها ضرورة فرضها إتساع العالم وتسارع إيقاعه، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الوسيلة إلى جدار، ويصبح النظام أكثر حضورًا من الإنسان الذي أُنشئ النظام من أجله.
في الماضي، كان الخطأ يُصحح بكلمة، وسوء الفهم يزول بابتسامة، وكانت جملة واحدة مثل: (دعني أوضح لك)، كافية لإنهاء إشكال كامل، أما اليوم، فقد أصبحت العبارة الأكثر حضورًا: (إختر من القائمة)، وكأن كل الأسئلة الممكنة قد كُتبت سلفًا، ولم يعد مسموحًا للحياة أن تبتكر سؤالًا جديدًا.
المشكلة ليست في الرقم الموحد، إنما في العقلية التي ترى أن كل إنسان يمكن أن يُختزل في مسار واحد، وأن كل مشكلة لها إجابة جاهزة، وأن كل إختلاف هو مجرد إستثناء ينبغي تجاهله ،ولكن الإنسان لا يشبه النماذج الإلكترونية، إنه أكثر تعقيدًا من أن يُختصر في خيارات مرقمة، فهناك مواقف لا تفسرها القوائم، وأوجاع لا تعرفها الخوارزميات، وظروف لا تستطيع الأنظمة توقعها مهما بلغت دقتها.
لذلك نشعر أحيانًا أننا لا نتحدث مع مؤسسة، ولكن مع متاهة، كل باب يقود إلى باب آخر، وكل خيار يعيدك إلى البداية، حتى يصبح الوصول إلى موظف حقيقي إنجازًا يفوق إنجاز حل المشكلة نفسها.
والأغرب من ذلك أن الإنسان بدأ يتكيف مع هذا الغياب، لم يعد يبحث عن من يفهمه، بل أصبح يبحث عن الطريقة الصحيحة لفهم النظام، صار يتعلم لغة الآلات أكثر مما ينتظر لغة البشر، وكأن الإنسانية أصبحت خطوة إختيارية بعد إكتمال الإجراءات.
ربما سنواصل إستخدام الأرقام، وستزداد الأنظمة ذكاءً عامًا بعد عام، وهذا أمر لا مفر منه، لكن يبقى السؤال الذي ينبغي ألا يغيب عن أذهاننا: هل ما زالت التكنولوجيا تخدم الإنسان، أم أن الإنسان بدأ يتعلم كيف يخدم التكنولوجيا؟ فالتقدم الحقيقي لا يُقاس بعدد العمليات التي تنجزها الآلة في الثانية، ولكن بعدد اللحظات التي يبقى فيها الإنسان حاضرًا في قلبها، فإذا فقدت التقنية قدرتها على الإصغاء، تحولت من جسرٍ يقرب الناس إلى جدارٍ يفصل بينهم، ومن نعمةٍ تُيسّر الحياة إلى متاهةٍ تذكّرنا، في كل مرة بأننا أصبحنا نبحث عن إنسان أكثر مما نبحث عن حل.
لقد أصبح العثور على صوت بشري أصعب من حل المشكلة نفسها، هنا ندرك أننا لم نضل الطريق في متاهة الأرقام، إنما في متاهةٍ نسينا فيها أن الغاية من كل نظام هي أن تفهم الإنسان.
للتواصل : [email protected]



