كتاب الرأي

لماذا خلقنا الله سبحانه وتعالى

   ✍️ سمسمه السعيد – كاتبة سعودية :

منذ أن وجد الإنسان على هذه الأرض وهو يبحث عن إجابة للسؤال الذي تتضاءل أمامه كل الأسئلة والذي تتوارى أمامه كل القضايا لأنه السؤال الذي يمنح الحياة معناها ويحدد للإنسان طريقه ويرسم ملامح مصيره فإذا عرف الإنسان لماذا خلق عرف كيف يعيش وإذا غابت عنه هذه الحقيقة عاش عمره كله يركض وراء السراب وهو يظن أنه بلغ الغاية

لقد انشغل الناس بكل شيء إلا بسبب وجودهم فتسابقوا إلى جمع المال واعتلاء المناصب وبناء الأمجاد وصناعة الشهرة حتى أصبح النجاح يقاس بما يملكه الإنسان لا بما يحمله قلبه من إيمان وبما يتركه في حساباته لا بما يقدمه في صحيفة أعماله وكأن الحياة بدأت بالدنيا وتنتهي عند حدودها

ولو كانت الغاية من خلق الإنسان أن يأكل ويشرب ويتمتع بما في الأرض من ملذات لما كان بينه وبين سائر المخلوقات فرق فالدواب تأكل والطيور تبحث عن رزقها وكل المخلوقات تسعى إلى البقاء أما الإنسان فقد كرمه الله بالعقل وفضله بالوحي واستخلفه في الأرض وحمله أمانة لم تحملها السماوات والأرض والجبال

لهذا جاء البيان الإلهي قاطعًا لكل ظن وحاسمًا لكل جدل فقال سبحانه وتعالى ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾

في هذه الآية تختصر قصة الإنسان كلها وتنكشف الغاية التي من أجلها خلقه الله فالعبادة ليست ركنًا من أركان الحياة بل هي روح الحياة وليست شعائر تؤدى في أوقات محددة ثم ينصرف الإنسان إلى ما يشاء وإنما هي أن يعيش الإنسان لله وأن يتحرك لله وأن يعمل لله وأن يجعل رضوان الله غاية كل قول وكل عمل

لقد نجح الإنسان في اكتشاف أسرار الأرض وصعد إلى الفضاء واخترع ما لم يخطر على بال الأجيال السابقة لكنه في المقابل أخفق في الإجابة عن السؤال الأهم لماذا أعيش ولمن أعيش وإلى أين أمضي ولهذا كثرت أسباب الرفاه وقلت أسباب الطمأنينة وازدادت وسائل المتعة واتسعت دائرة القلق لأن القلب لا تشبعه الدنيا مهما اتسعت ولا يطمئن إلا إذا عرف ربه وأدرك الغاية التي خلق من أجلها

إن أكبر خسارة ليست أن يخسر الإنسان تجارة أو منصبًا أو جاهًا وإنما أن يخسر نفسه وأن يقضي عمره كله يبني ما سيتركه خلفه وينسى أن يبني ما سيصحبه إلى قبره فالمال يبقى لأهله والمناصب تذهب إلى غير أصحابها والأسماء يطويها النسيان أما العمل الصالح فهو الباقي وهو الرفيق الذي لا يفارق صاحبه حين يغادر الدنيا وحيدًا

ولهذا يوقظ القرآن القلوب بقوله تعالى ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ فلا عبث في خلق الله ولا صدفة في أقداره ولا لحظة في العمر تمر خارج حكمته وإنما هي رحلة اختبار قصيرة يعقبها لقاء طويل مع الله يحاسب فيه الإنسان على ما قدم لا على ما امتلك وعلى ما أصلح لا على ما جمع

وحين يقف الإنسان بين يدي ربه لن يكون بينه وبين الله مال ولا سلطان ولا شهرة ولن يبقى إلا قلب عرف خالقه وعمل بما أمره واجتنب ما نهاه عنه وهناك فقط سيدرك أن الحياة لم تكن كما تصورها الناس سباقًا إلى الدنيا وإنما كانت سباقًا إلى رضوان الله

ولهذا لم يخلقنا الله سبحانه وتعالى لنكون أسرى للشهوات ولا عبيدًا للدنيا بل خلقنا لنكون عباده وخلق الدنيا لتكون طريقًا إلى الآخرة لا بديلًا عنها فمن عرف هذه الحقيقة عاش كريمًا ومات مطمئنًا وفاز بلقاء ربه ومن أعرض عنها عاش تائهًا مهما ملك من أسباب القوة والثراء لأن الإنسان لا يجد نفسه إلا إذا عرف خالقه ولا يعرف قيمة عمره إلا إذا أدرك لماذا خلقه الله سبحانه وتعالى.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى