خلل سلوكي في محاكمة الأعمار انتقائيًا

✍️أ. د. محمد شايع الشايع- كاتب أكاديمي بجامعة الملك سعود:
مع سهولة حياكة القصص وروايتها، تتناقل الأجيال رواياتٍ لا تورث الحقيقة بقدر ما تورث الجحود. فكم من قصة تختزل صاحب فضل في موقف عابر، بينما تُغيِّب سنوات من العطاء، والتربية، والتعلم، والتجربة، والصبر، وتحمل المسؤولية. ومع تكرار هذا النمط من السرد، تتشكل في الأذهان صورة لا تمثل الإنسان كما عاش، بل كما أراد الراوي أن يقدمه.
وليست كل صور الظلم تصدر عن قرار أو حكم، فبعضها يتشكل بصمت داخل الذاكرة. يبدأ بموقف واحد، ثم يُعاد استحضاره حتى يطغى على عشرات المواقف التي سبقته أو تلته، فتُختزل الأعمار في لحظة، ويغيب تاريخ طويل خلف رواية قصيرة يسهل تداولها. وهنا لا تكمن المشكلة في صدق الرواية، بل في اكتمالها، لأن جزءًا من الحقيقة قد يقود إلى حكم غير عادل إذا أُهمل ما سواه.
فالذاكرة الانتقائية لا تعتمد الكذب، وإنما تعتمد الانتقاء. تستدعي ما يوافق الشعور الآني، أو يبرر موقفًا حاضرًا، وتترك بقية المشهد، حتى تصبح العثرة أشهر من سنوات الإحسان، ويغدو الاستثناء وكأنه الأصل.
ومن الأسباب التي تغذي هذا النمط أن بعض الناس يعيد تفسير ماضيه من زاوية واحدة، فيعتقد أن ما حققه كان ثمرة تجاوزه لأشخاص أو مواقف معينة، فيبالغ في استحضار ما فيها من ألم، ويغفل، من حيث لا يشعر، أنها كانت جزءًا من رحلته في بناء شخصيته. والحقيقة أن الإنسان لا تصنعه المقاومة وحدها، وإنما تصنعه التربية، والتعليم، والتجربة، واكتساب المعرفة، وتطوير المهارة، وترسيخ القيم، والصبر، والاحتكاك بالبشر، وتحمل المسؤوليات والمخاطر. ولذلك فإن اختزال أسباب النجاح في موقف سلبي واحد لا يقل ظلمًا عن اختزال عمر كامل في خطأ واحد.
ويتعاظم هذا الخلل حين نحاكم الماضي بمعايير الحاضر. فلكل جيل ظروفه، ولكل مرحلة إمكاناتها ومعارفها وتحدياتها، وما نراه اليوم خيارًا يسيرًا ربما كان بالأمس بالغ الصعوبة أو محدود الإمكانات. والعدل يقتضي أن تُقرأ القرارات في سياق زمانها، وأن يُفهم الناس في ضوء ما كان متاحًا لهم، لا بما أصبح متاحًا لنا.
وتظهر الذاكرة الانتقائية في أكثر العلاقات الإنسانية عمقًا. يلتقي طالب بمعلمه بعد سنوات طويلة، فينتظر الحاضرون حديثًا عن أثر العلم، وجميل التوجيه، وبصمة المعلم في تكوين شخصيته، فإذا بأول ما يُذكر: “الله من يوم جلدنا”، وربما لم يحدث ذلك إلا مرة واحدة طوال مرحلة دراسته، لكنها بقيت في الذاكرة، بينما غابت آلاف الساعات التي قضاها المعلم في الصبر على العملية التعليمية معه، والتوجيه، وبناء الشخصية.
ويتكرر المشهد في المجالس العائلية، حين يستعيد الأبناء والأحفاد سيرة والد/ والدة عاشو بينهم ومعهم أكثر من ثمانين عامًا، فلا تُذكر سنوات الكفاح، ولا التضحيات، ولا الغربة، ولا مشقة التنقل طلبًا للرزق، ولا مواقف الحنان والرحمة، وإنما تُروى حادثة غضب، أو موقف اشتد فيه، حتى تصبح تلك الحادثة عنوانًا لسيرته، ويغيب خلفها تاريخ طويل من البذل والإحسان.
ويمتد هذا الخلل إلى الحياة الزوجية، فيحمل أحد الزوجين شريك حياته مسؤولية ما آلت إليه الأسرة، وكأن تاريخهما المشترك لم يكن إلا سلسلة من المعاناة. ومع أن الغالبية العظمى من الأزواج يبدأون حياتهم بمشقة البناء، وضيق ذات اليد، وتضحيات متبادلة، وصبر على تحديات البدايات، فإن تلك السنوات كثيرًا ما تتوارى أمام خلاف متأخر أو موقف مؤلم، فتُنسى أيام التكاتف، وتقاسم المسؤولية، والوفاء في زمن الحاجة، ويبقى في الذاكرة ما يؤلم أكثر مما يبقى ما أسهم في بناء الأسرة واستقرارها.
وفي جميع هذه الصور لا تكمن المشكلة في تذكر الخطأ، بل في انتقائية اختزال العمر في قصة سلبية لها ظروفها، حتى يرث الأبناء، والطلاب، وكل من لم يعايش تلك المراحل، روايةً ناقصة، فيبنون أحكامهم على جزء من الحقيقة، بينما يغيب عنهم تاريخ كامل من العطاء، والخبرة، والفضل.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية، فالأجيال لا ترث الوقائع وحدها، بل ترث طريقة النظر إلى الناس. فإذا اعتادت روايات تنتقي العثرات، وتغفل الفضائل، نشأت على الجحود أكثر من الوفاء، وعلى سرعة الإدانة أكثر من الإنصاف، حتى يصبح الخطأ في الذاكرة أكبر من تاريخ طويل من الإحسان.
إن الذاكرة العادلة ليست التي تنسى الأخطاء، وإنما التي تضعها في سياقها، وتحفظ لكل موقف حجمه، ولكل إنسان تاريخه، ولكل فضل مكانه. فأعظم ما نورثه أبناءنا ليس القصص، بل طريقة روايتها، أن نذكر الخطأ بقدره، والفضل بقدره، وأن نروي التاريخ كما كان، لا كما بقي في ذاكرتنا.
فحياة الإنسان ليست موقفًا عابرًا، بل حصيلة ظروف، وتجارب، ومواقف، وتضحيات، ونجاحات، وإخفاقات، ومشاعر إنسانية متداخلة، وفي الغالب أن صفحاتها المضيئة أكثر من صفحاتها القاتمة. ومن الظلم أن يُختزل هذا التاريخ كله في قصة واحدة، أو أن تُمحى سنوات من البذل بسبب لحظة غضب أو موقف عابر. فالإنسان يُعرف بمجموع حياته، لا بأضعف لحظاته، ومن يختزل عمرًا كاملًا في رواية منتقاة لا يظلم إنسانًا فحسب، بل يظلم الحقيقة، ويورث الأجيال ذاكرةً تُحسن استدعاء العثرات، وتغفل الفضائل، بينما لا تقوم المجتمعات إلا على العدل، والوفاء، وحفظ الجميل.
للتواصل : [email protected]



