الجوار عند العرب.. صفحة مشرقة من التاريخ الاجتماعي

✍️د. سعيد بن عبدالله آل جفشر- كاتب سعودي :
يُعد الجوار من أسمى القيم التي عرفت بها العرب، ومن الصفحات المشرقة في تاريخهم الاجتماعي، فقد كان عنوانًا للمروءة والوفاء، ومصدرًا لفخر الأسر والقبائل، حتى عدّ العرب حفظ الجوار من أشرف المآثر، وعدّوا خذلان المستجير من أقبح المثالب.
والجوار في اللغة هو الحماية والذمة والأمان، وقد عرفته العرب قبل الإسلام، فلما جاء الإسلام أقره وهذبه وربطه بالعدل والوفاء، فغدا خلقًا عربيًا أصيلًا تؤيده الشريعة الإسلامية.
وقد وردت مشروعية الجوار في القرآن الكريم والسنة النبوية، قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: 6]. كما أقر النبي ﷺ جوار أم هانئ يوم فتح مكة عندما أجارت رجلين من بني مخزوم، فقال: «قد أجرنا من أجرتِ يا أم هانئ».
ولعظيم شأن الجوار، جعل النبي ﷺ حق الأمان لكل مسلم، رجلًا كان أو امرأة، وعدَّ ذمة المسلمين واحدة لا يجوز نقضها، فقال ﷺ: «ذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلمًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا» (متفق عليه). وروت عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: «ذمة المسلمين واحدة، فإن أجارت عليهم امرأة فلا تخفروها، فإن لكل غادر لواء يوم القيامة».
وقد حفلت كتب التاريخ، كما حفلت ذاكرة المجتمع في السروات وغيرها من مناطق المملكة العربية السعودية، بقصص كثيرة عن الجوار، إلا أن المقام لا يتسع لاستقصائها، لذا نكتفي بأشهر صور الجوار في التاريخ العربي الحديث، وهي إجارة الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، طيب الله ثراه، لرئيس الوزراء العراقي رشيد عالي الكيلاني عام 1360هـ/1941م، بعد فشل حركته في العراق.
فقد لجأ الكيلاني إلى المملكة طالبًا الجوار بعد أن أصبح مطلوبًا للحكومتين العراقية والبريطانية، فأجاره الملك عبدالعزيز، ورفض جميع المطالبات بتسليمه، وقال كلمته الخالدة: «لقد جاءني رشيد عالي مستجيرًا من أعدائه، وهو عربي يستجير بعربي، وأنا أفضل شنق واحد من أبنائي على تسليمه إلى حبل المشنقة.» وروي عنه أيضًا قوله: «أفضل أن أفقد عرشي على أن أسلمه إلى يد الجلاد.» فخلّد التاريخ هذا الموقف بوصفه من أعظم صور الوفاء بالجوار في العصر الحديث، وسيظل شاهدًا خالدًا على أن الوفاء بالعهد، وإجارة المستجير، من أعظم القيم التي تحفظها الأمم ويخلدها التاريخ.
ومن بعد قصة استجارة رشيد الكيلاني، تتجلى أيضًا مواقف الجوار في التاريخ السعودي، ومن أبرزها ما يُروى عن الأمير محمد بن عبدالعزيز آل سعود -رحمه الله-، إذ أجار رجلًا مطلوبًا في قضية دم كان متحصنًا في جبل طويق. نصحه بعض مرافقي الأمير باللجوء إليه، فاستجاب، فأجاره وأكرمه.
وعند عودتهم إلى الرياض، بكى الرجل حزنًا على فراق الجبل، فقال له الأمير كلمته الشهيرة: «أخو نورة، أطويق والله اللي زبنت عليه». ثم سعى في إنهاء قضيته حتى أمّنه، في موقف يجسد قيم الجوار والوفاء. رحم الله الأمير محمد بن عبدالعزيز.
أما في التاريخ الاجتماعي، فقد كان للجوار أحكامه وأعرافه وشروطه وحقوقه وواجباته، ومدده الزمنية التي تختلف بحسب أسباب الاستجارة وطبيعة القضايا، كما كانت له آدابه والتزاماته التي تباينت باختلاف الأزمنة والمناطق والقبائل، والتي نرجو أن نوفق للحديث عنها في قادم الأيام بإذن الله. وقد قام الجوار في جوهره على حفظ النفس، وصيانة الكرامة، ومنع الظلم، وتحقيق الأمن، ودرء الفتنة، وفتح أبواب الصلح والإصلاح. وتمثل هذه الأعراف والعادات والتقاليد الاجتماعية الأصيلة شاهدًا على العمق التاريخي للمجتمع، وما اتسم به من منظومات أخلاقية واجتماعية رسخت القيم النبيلة، حتى غدا الجوار صفحة مشرقة من التاريخ الاجتماعي، ودليلًا على أصالة أخلاق المجتمع، ودور أفراده في حفظ السلم والأمن والاستقرار.
وإن كان الجوار أحد ركائز حفظ أمن المجتمع في الماضي من خلال حماية المستجير وحفظ السلم بين الناس، فإن الدولة السعودية اليوم، في ظل سيادة الشريعة والأنظمة المرعية، تضطلع بهذه المسؤولية عبر مؤسساتها العدلية والأمنية، فأصبح حفظ الحقوق، وحماية الأنفس، وإنهاء الخصومات، وإرساء السلم المجتمعي من اختصاص الدولة، إلى جانب ما يبذله، تحت مظلة الدولة، وبتشجيع منها المصلحون ووجهاء المجتمع وأفراده من جهود مباركة في الإصلاح بين الناس، ودرء الفتن، ورأب الصدع، وفق أحكام الشريعة والأنظمة النافذة، والعادات والتقاليد والأعراف الاجتماعية الإيجابية.
وهذا يؤكد أن حفظ الأمن مسؤولية مشتركة، تتكامل فيها جهود الدولة مع وعي المجتمع، وأن المواطن شريك في ترسيخ الأمن والسلم المجتمعي، ورجل الأمن الأول في المحافظة على مكتسبات وطنه، والالتزام بأنظمته، وتعزيز قيم التلاحم والإصلاح.



